لـواء رُكن ( م ) د. يونس محمود محمد
(رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة الأسبق)
ما من مُفردة تسعُ ما أفضى به الصنديد المجاهد الملثّم أبوعبيدة الناطق العسكري بإسم كتائب القسّام الجناح العسكريّ لحركة المقاومة الإسلامية بأرض غزّة في فلسطين.
وإسمه حُذيفة سمير عبد الله، من مواليد العام ١٩٨٥م وكنيته أبوعبيدة تيمّنًا بفاتح فلسطين أمين الأمة أبوعبيدة عامر بن الجرّاح رضي الله عنه.
والرجل أوتي فصل الخطاب ، فصيحًا، بليغًا، صادقًا، كأنَّ لسانه نبل يشدّه فيرمي الكلام سهامًا لا تطيش، تُصيبُ أفئدة السامعين، يُرعب العدو بوعده ووعيده فيصدّقونه أكثر مما يصدّقون حكومتهم، يخرجُ صوته من بين الركام والأنقاض، والموت والأشلاء، يبدّد اليأس ويُحيي وعد الله في الأنفُس ، يرسمُ ملامح الوضع العسكري وينشرُ ملاحم الصمود الغزّاوي الأسطوري غير المسبوق، ومعالم الصبر الذي أفرغه الله تعالى على أهل غزّة الذين تجاوزوا كُل توقّعات المخطّط العسكري الصهيوني وفرضوا معادلات للقوى لا يعلم كنهها معهدٌ عسكري، وأطاحوا بكافّة النظريات العسكرية المتاحة، وسخروا من الهيمنة الإلكترونية والسيطرة الجوية والمراقبة والتجسس وإستخدام العُملاء فأصبحت غزّة صندوقًا مُحكم الإغلاق لا تصلُ إليه تحالفات الصهاينة والإتحاد الأوروبي بحلفه، وأمريكا بكُل هيمنتها في البر والبحر والفضاء، والعُملاء العرب بكل خيبتهم، خيانتهم وبيعهم الرخيص.
نعم كُل هؤلاء فشلوا في تحديد مكان المختطفين والأسرى من جنود العدو الصهيوني ولمدى عامين كاملين، الأمر الذي أثار حفيظة الصهاينة وإستفزّهم، وفضح ضعفهم، وكشف سترهم ودعايتهم التي ملأوا بها الدنيا بأنَّهُم أصفياء الله وشعبه المختار وجُنده الذي لا يُغلب، والجيش الذي لا يُقهر كُلّ هذا إختبرته سواعد الغزّاويين في كتائب الأقصى، وعِز الدين القسّام ، فإنهارت بنايات الوهم وأساطير الكذب، وتبدّى جُبن الجنود الإسرائليين بالهروب من الميدان وعصيان الأوامر والإصابات النفسية، وحالات الإنتحار، وحالةُ العجز التي تعتري الكيان ( *الدولة ) وتعثّرها اقتصاديًا والتصدّعات الداخلية والهجرة العكسية، وتوقّف الدارسة والحصار الدولي الذي فرضه الرأي العام العالمي وهو يرى جرائم اليهود في قتل أهل غزّة حتى تجاوز عددهم ستون ألفًا أغلبهم من النساء والأطفال، ومئات الآلاف من الجرحى والمُعاقين، وتدمير كل شئٍ قائم على أصوله في القطاع، وفرض حصار مُحكم يمنع دخول مواد الإغاثة، فجاع الناس حتى الموت، وخلت خرائبُ المشافي من أيّ إمكانية لتضميد جرح أو مداواة معتل، فخرجت المدائن ( *الحُرّة* ) على طول العالم وعرضه في كل قارّاته تندّد بالجرائم الإسرائيلية وتدعو حكوماتها لإتخاذ مواقف ضدّ هذه الجرائم المروعة. هذا العالم الذي يمورُ بالثورة والغضب على صنائع الصهاينة. حتى بعض اليهود تبرأوا مما يفعله اليمين المتطرّف في حكومة المجرم ( *نتنياهو* ) المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية هو ووزير دفاعه ( *جالانت* ) وما خلت منظمة دولية أو إنسانية غير حكومية من التنديد بهذه الجرائم.
إلّا عالم الصمت والخزي والإنكسار ( *العالم العربي والإسلامي* ) الذي هو أولى بالوقوف مع إخوته في الإسلام والعروبة والجوار أهل غزّة، ولكنّه عالمٌ ميّت بلا شعور، صامتٌ عَيِيَ، عاجزٌ جبان، خائفٌ مرعوب، خائرٌ خائب، باهتٌ بائس، متردّد مُنكسر، مهزوم النفس فاقد الثقة، بلا قيادة ولا ريادة، ولا شرف ولا كرامة، ولا تصوّر لمعنى الحياة بنفس عزّها، وطلاوة مجدها، يحسبونَ كُل غارةٍ عليهم، فيدفنوا أنفسهم في الخباء كما تفعلُ ( *السلاحف* ) ثم يُخرجون رؤوسهم ( *بتيجانها* ) في حذرٍ يتلصّصون هل ذهب الخوف ؟
ولأنهم هكذا يرفضون أن تسبقهم شعوبهم إلى الفضائل فمنعوا منعًا باتًا أيّ مظهر من مظاهر التضامن مع شعب فلسطين وأهل غزّة، ولذلك خلت العواصم والمُدن العربية والإسلامية من أيّ مظاهرة مساندة لفلسطين عدا إستثنائين أو ثلاثة في اليمن العزيز وتركيا والجزائر موطن الشُهداء، أمّا الباقيات غير الصالحات فهُنَّ في غيب الحاكم، والحاكم ينظرُ في غشية الخوف العصا الإسرائلية من فوق رأسه؛ لأنَّ الصهيونية قد عملت لهذا الوقت إعدادًا وهيمنة على مفاصل الحكم في عالمنا المعاصر إلّا من رحم ربك.
وأبوعبيدة يعلمُ هذا وزيادة، ولكنّه أرادَ أن يُقيم الحُجّة عليهم على رؤوس الأشهاد بأنَّ خُذلانهم هذا له ثمنٌ واجب السداد، ففي الدنيا لن يذكر التاريخ ( *أبدًا* ) حاكمًا عربيًا ومسلمًا بأيّة من المآثر والقيم الراسخة في هذا الدين الذي هو أصل وفصل الحياة، ولن يكونوا حضورًا في أيّ مقامٍ كريم يؤبّن فيه المسقبل أثره الماضي، ولن يحمد لهم أحدًا محمدة، ولن يقترن إسم أحدهم بنصرِ دين، أو مجاهدةُ عدو، أو إرساء قيمة أو إقامة عدل، أو سوية قسمة للمال والثروات، أو إغناء فقراء، ولكن ميراثهم لن يتعدّى ما تركوه من مالٍ مسروق من خزائن الدولة، وأبراج، ومتاع دُنيا فانية، و ما خلّفوه من مظالم في حقّ بعض مواطنيهم الذين قضوا أعمارهم في السجون والأغلال والقهر فقط لأنّهم خالفوهم الرأي ، ورفضوا أن يجاروهم في تسلّطهم على رقاب الناس.
أبو عبيدة خاصمهم لله القويّ ذي الجبروت، وحمّلهم ويلات غزّة وخُذلانهم لها وهُم ولاة أمر العرب والمسلمين، وقد عجزوا أن يُغيثوا غزّة بالطعام والدواء بينما الناسُ يُهلكهم الجوع، وتقتلهم المسغبة، وتمزّقهم صيحات بطون الأطفال الخاوية، ووجوههم الذابلة، فأيّ عجز هذا الذي يمنع سبعةً وخمسين دولة إسلامية بما فيها إثنتان وعشرين دولة عربية جميعًا برؤسائهم وملوكهم وأمراءهم وشيوخهم وجيوشهم وشعوبهم يمنعهم من أن يجرأوا من مجرّد الإقتراب من حدود غزّة ليلقوا لها بلقمةٍ تسدُ رمق، وجرعةُ دواءٍ تُسكت أنين، وثوبُ سترٍ وسند معنوي.
أكُل هذا خوف من مآلات الحرب ؟
فخشية الحرب أشدُّ وقعًا وضراوة من ملاقاة لأوائها
والتخويف بالحرب هو فنُ إستنزاف معنوي ونفسي ومالي، ينقصُ من الدين والكرامة والكبرياء، ويجعلُ الأمم مزارع ( *بط* ) تأكل و( *تنق* ) والنقيق هو صوت إناث البط، حتى يأتي دورها في المسلخ الأمريكي الصهيوني،
ولو أنّهم فتحوا كتاب الله لوجدوا فيه العزاء والسلوى، والتحريض، والدفع، والجهاد، والقسط، والعدل، ولنالوا خيري الدنيا مجدًا وصيتًا كما نالها أبطال التاريخ الجهادي، ولشيّعتهم شعوبهم بعد موتهم بالشفاعة والدُعاء والرضى والقبول عند الله.
فيا أخا الجهاد أبا عبيد
قد أسمعتَ لو ناديت حيّا
ولكن لا حياة لمن تنادي
يكفي صراخ الطفل الذي يصدع صوته صم القلوب بأنه ( *جعاااااان* ).
وويلٌ لحُكّام هذه العصر مما ينتظرهم من تخاصُم أهل غزّة إلى الله رب العالمين .
يا حليل السودان في عهد البشير إقتسم معهم اللقمة والبندقية .
*ولا نامت أعيُن الجبناء*
كما قال *إبنُ الوليد*

