
بقلم/ الطيب مضوي شيقوق
(كاتب – محامي – مستشار قانوني)
في وقتٍ شهد فيه المشهد الإعلامي العربي تراجعًا ملحوظًا عن أداء رسالته الجوهرية، برز الإعلامي المخضرم أحمد طه كصوتٍ مهني متزن، يحمل هموم الناس بصدق، وينقل قضاياهم بشفافية، بعيدًا عن التهويل أو التحيّز. وعلى الرغم من أن منابره كانت ذات طابع إقليمي، فإن خطابه ظل مشدودًا إلى القضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها الشأن السوداني، الذي أولاه مساحة واسعة من الاهتمام والتناول المسؤول.
ينتمي أحمد طه إلى جيلٍ تشرّب قواعد الصحافة التلفزيونية وتمرّس في دهاليز الحوار السياسي دون أن ينزلق إلى الاستفزاز أو الشعبوية. قدّم برامج حوارية كبرى مثل “لقاء خاص”، وشارك في تغطيات ميدانية نادرة من مواقع الأحداث، وكان له حضور بارز في ملفات معقدة مثل الأزمة السورية، الثورة المصرية، والتحوّل السياسي في السودان.
في زمنٍ تراجعت فيه كثير من المنابر الإعلامية عن أداء رسالتها النبيلة، ظلّ أحمد طه صوتًا رصينًا ومنبرًا صادقًا يحمل هموم الناس، ويعكس قضاياهم دون مواربة أو ابتذال. وبرغم أن ميادين عمله كانت ممتدة عبر قنوات إقليمية، فقد بقي لصيقًا بالقضايا العربية الكبرى، ومن بينها الشأن السوداني، الذي شكّل في أدائه مساحة حقيقية للتعبير الصادق والمسؤول.
تناول الشأن السوداني بلسانٍ خالٍ من الوصاية، وبأسلوبٍ مترفّع عن التحيّز، فكان خطابه صادقًا، وتحليله نزيهًا، مما قرّبه من وجدان السودانيين بمختلف مشاربهم السياسية والفكرية، إذ وجدوا في طرحه صوتًا يعكس معاناتهم دون انحياز، ومرآةً تُظهر الحقيقة لا الأهواء. لقد تجاوز بأدائه الإعلامي حدود الجغرافيا والانتماءات، ليؤسس لرابطة أعمق: رابطة الضمير الحي والوفاء لقيمة الحق.
ظل طرح أحمد طه الإعلامي مشبعًا بالمعرفة، مؤطرًا بالقيم، متسلحًا بأدوات الحوار الجاد، ومتحررًا من لغة الاستعراض والشعبوية. لا يسعى إلى محاصرة الضيف أو دفعه نحو الزلل، بل يمنحه المساحة ليُعبّر عن موقفه، بينما يحتفظ هو بدور الراصد الناقد، لا القاضي المتربص.
وفي زمن اختلطت فيه الحقائق بالدعاية، كان أحمد طه يمثّل وجهًا آخر للإعلام… إعلام يحترم عقل المشاهد ويُفسح المجال للرأي والرأي الآخر، مؤكّدًا على أهمية التعددية واحترام الاختلاف.
وحين يتناول أزمة ما، فإن منطقه لا يعلو بالصوت، بل يرتفع بالفكرة. يطرح الأسئلة التي تُلامس جوهر الأزمة لا قشورها، ويُصيغ مداخلاته بلغة تجمع بين دقة المهنية ورُقيّ الإحساس الإنساني.
لا يكتفي بالإجابات السطحية، بل يعود للسؤال من زوايا جديدة. يُظهر احترامه للضيف، لكنه لا يُساوم على حق المشاهد في المعرفة. يبتعد عن الاستعراض، ويقدّم الحوارات كمساحات تفكير لا ساحات صراع.
لقد شقّ لنفسه طريقًا خاصًا في عالم الإعلام العربي، لا ضجيج فيه ولا ادعاء، وإنما مهنيةٌ راسخة، وضميرٌ حي، واحترامٌ للناس والحقائق.


