مقالات الرأي

أكرمتهم بالفرص حتى ظنّوا أنني أُعوِّض

قهوتي || شذى عبد الله طه

بقلم/ شذى عبد الله طه

ليست كل الأخطاء سهوًا، وليست كل المساحات الممنوحة ضعفًا، لكن بعض الناس حين تُفتح لهم الأبواب مرارًا، يتوقفون عن رؤية الكرم، ويبدؤون في تفسيره على أنه استجداء. في البداية يكون الأمر نُبلًا خالصًا؛ تمنح الفرصة لأنك تؤمن بالإنصاف، وتُمهل لأنك ترى ما لا يراه غيرك، وتتجاوز لأنك تعرف أن البشر لا يأتون مكتملين. غير أن المشكلة لا تبدأ من العطاء، بل من إساءة فهمه.
هناك من لا يرى في تسامحك خُلُقًا، ولا في صبرك قيمة، ولا في سعة صدرك مبدأ، بل يراها محاولة تعويض، كأنك مدين، أو مطالب بإثبات شيء، أو تمنح لأنك تخشى الفقد. وهنا تنقلب المعادلة دون أن تشعر، ويتحوّل الفضل إلى التزام، والفرصة إلى حق مكتسب، والكرم إلى أمر مُسلَّم به.
أكرمتهم بالفرص لأنني كنت أؤمن أن الإنسان يُختبر حين يُعطى لا حين يُحرم، لكنهم مع مرور الوقت اعتادوا العطاء حتى نسوا وزنه، ونسوا أن الفرصة ليست حقًا دائمًا بل ثقة مؤقتة. فالفرص التي تُمنح بدافع الإنسانية إن لم تُقابل بالمسؤولية، تتحول إلى عبء على صاحبها، وإلى وهم عند من اعتادها.
وما لا يُقال كثيرًا أن بعض الناس لا يسيئون لأنهم أشرار، بل لأنهم لم يُواجَهوا بالعواقب. فحين يغيب الحد يضيع المعنى، ويُفسَّر الصمت على أنه قبول، والتجاوز على أنه ضعف، والاستمرار في الاحتواء على أنه نقص لا وفرة. بينما الحقيقة أن الكريم لا يعطي لأنه يحتاج، بل لأنه قادر، وأن من يفتح لك بابًا مرة بعد مرة ليس عاجزًا عن الإغلاق، لكنه يؤخره احترامًا لقيمه لا خوفًا من خسارتك.
أكرمتهم بالفرص حتى ظنّوا أنني أُعوِّض، ولم ينتبهوا أنني في كل مرة كنت أختبر قدرتهم على الفهم لا حاجتي إليهم. فالخذلان الحقيقي لا يأتي من الخطأ الأول ولا حتى الثاني، بل من الاستهانة المتراكمة، من اللحظة التي يتعامل فيها الآخر مع عطائك كأنه تحصيل حاصل، ومع وجودك كأنه مضمون لا يتأثر.
وحين تصل الأمور إلى هذه النقطة، لا يكون التراجع قسوة بل عدل، ولا يكون الحسم قطيعة بل استعادة للاتزان. فليس من الحكمة أن تُنفق روحك في تعليم من لا يريد أن يتعلم، ولا من العدل أن تُرهق قيمك لإرضاء من لا يرى فيها إلا ضعفًا. فالفرصة التي تُمنح دون تقدير تفقد معناها، والعلاقة التي تقوم على الأخذ فقط تسقط عند أول اختبار حقيقي.
وهنا يتعلم الإنسان درسًا بالغ القسوة: أن الطيبة لا تُختبر بكثرتها بل بحدودها، وأن من لا يحترم موقعه في حياتك لا يستحق الاستمرار فيها مهما كانت الأعذار. لقد أكرمتهم بالفرص حتى ظنّوا أنني أُعوِّض، بينما كنت في الحقيقة أراقب متى يفهمون أن العطاء لا يعني التفريط، وأن الصبر لا يعني الغفلة.
وحين لم يحدث ذلك، لم أندم على ما قدّمته، بل اطمأننت. خرجت من التجربة دون أن أخسر نفسي، ودون أن أغيّر جلدي، ودون أن أتحول إلى نسخة أقل رحمة. فالكرم الحقيقي لا يُقاس بمن بقي، بل بمن بقي مستحقًا.
قهوتي… أحب شربها باردة.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى