مقالات الرأيأحمد يوسف التاى

إذا “إنبسط” منك “الشريف” راجع نفسك

نبض للوطن

بقلم : أحمد يوسف التاي

(1)

في بداية عملي الصحفي أوائل التسعينات، كنت انتظر الدخول على وزير المالية بولاية الخرطوم، وبينما أنا في الانتظار، اجلس “نكرة” لا أحد يعرفني، ولا أعرف احداً، حتى الوزير الذي كلفتُ بمقابلته، لم اره من قبل ولا أعرفه.. المهم بينما انتظر الدخول التقطتُ عبارة جارحة خرجت من فيهِ أحد المسؤولين يلعن ويسب الصحافة بعبارات موغلة في قلة الأدب، لأنها انتقدت أدائه..

(2)

في الألفينات وأثناء ملتقى لبحث قضايا الإعلام ، صدم وزير الإعلام الأسبق المرحوم الزهاوي إبراهيم مالك، صدم الحضور من الصحافيين ورؤساء التحرير بعبارة موقلة في البذاءة حيث شبه الصحافة السودانية بالمومس..(والله صحي)، لأنها برأيه (ما عندها حاجة غير نقد الحكومة)..

(3)

في أواخر التسعينات كان لدي موعد لإجراء حوار مع الدكتور حسن الترابي، لصالح صحيفة الوطن القطرية والمدينة السعودية، وبينما هممتُ بالدخول إليه ألفياني هو وصاحبه إبراهيم السنوسي لدى الباب، مسرعان إلى وجهة لا أعلمها، وهما يستشيطانِ غضبًا من أحد رؤساء التحرير ويسبان الصحيفة وصاحبها وكان الترابي يقول :(هو تافه وجريدتو تافهة)، وآخر معهما كان يحرض لإغلاق الصحيفة..يعني ثورة وإعلان حرب عديييل على تك الصحيفة وصاحبها (للأمانة لم أعرف من هو رئيس التحرير المقصود من كلام الترابي ، لكن اغلب ظني ذهب لصحيفة الوفاق)…

(4)

في أمريكا (بلد الحريات) قال الرئيس ترامب، أن تراخيص البث للشبكات قد تُلغى إذا بثّت آراءً سلبيةً عنه، وذلك أثناء حديثه للصحفيين خلال رحلة عودته من المملكة المتحدة إلى واشنطن.

مؤكدا أنه إذا استمر مذيعو البرامج التلفزيونية الليلية في انتقاده، فإن تلك الشبكات وتراخيص البث التي تحصل عليها ستكون معرضة لخطر الإلغاء.

وتأتي تعليقات ترامب في أعقاب إيقاف جيمي كيميل عن البث إلى أجل غير مسمى في قناة ABC..)حتى انت يابروتس رأس النفاق والعربدة).. ؟؟.

(5)

في بلدي السودان أيضًا وعلاوة على النماذج أعلاه والتي تجسد العلاقة “العدائية” بين الإعلام الحر والسلطة، يمكن القول أن ما لقيته الصحافة السودانية الحرة من إذلال واضطهاد وقهر في عهد نظام البشير لم تصله اي صحافة حرة في العالم..أقول الحرة، لأن الإعلام الرسمي التابع للحكومة اصلًا ليس معنيًا في هذا المقال، ولا إعلام الدول التي لاتسمح اصلًا بإعلام حر فهذه أيضًا غير محسوبه اصلًا ، إنما السبيل على الدول التي تدعي الديمقراطية وتلحق لفظ الديمقراطية بإسمها إمعانا في التضليل والتزييف، وتسمح بقيام صحف حرة وتصدق بذلك وتجيز مؤسساتها قانون الصحافة الحرة ثم تكبت الافواه وتكسر الأقلام وتضع القيود على الصحافيين فتعطي الحرية باليمين وتاخذها بالشمال.. وتصادر وتعاقب خارج القانون..!!..

(6)

النماذج أعلاه توضح الحساسية المفرطة لدى الأنظمة السياسية تجاه الصحافة الحرة والتي تتحول إلى علاقة عدائية بسبب مراقبة الصحافة الحرة للأداء الحكومي البائس..

من المسلمات أن الحكومات لن ترضى عن الإعلام الحر وأن تظاهرت بذلك ، حتى يتبع ملتها ويمشي على خطها، ويسبح بحمدها، ويضخم انجازاتها، ويلمع قياداتها ويصنع لها من الحبة قبة، ويروج لكذبها ونفاقها، ويغض الطرف عن مسؤوليها الفاسدين ..

حينها يمكن ل (الشريف) أن يرضى عنها ويغدق عليها المال والهدايا، ولسان حالها يقول (الشريف مبسوط مني).. وبكل تأكيد السودان ليس استثناءً من كل ذلك..لذلك كلما يتراءى لي الضيق الحكومي من الأقلام الحرة أحمد الله أن صحافتنا مازل بها نبض ولم تفارق الحياة بعد ..

(7)

خلال العقود الماضية عاصرتُ تجربتين، لمحاولة صناعة صحافة حرة ، الأولى شهدتها وراقبتها، وهي تجربة صحيفة الرأي الآخر بقيادة الأستاذة آمال عباس رئيس التحرير، والثانية كنتُ أحد صناعها وهي تجربة صحيفة الصيحة التي كنتُ رئيس تحريرها، وقد كشفت لي التجربتين مدى الضيق والتبرم والتربص الذي كان يجثو على صدر السلطة منهما، أما تجربة الصيحة فقد أثبتت لي أن حرية التعبير والإعلام الواردة في الدستور كذبة كبيرة جدًا وتضليل وغش وخداع، فقد كنتُ ضيفًا ثقيلًا على جهاز الأمن طيلة رئاستي للتحرير فيتم استدعائي لمكاتبه في الإسبوع ثلاث مرات، وربما أكثر حتى أن أحد الضباط اقترح عليَّ – على سبيل “التريقة والسخرية” – أن اسكن في إحدى الشقق أعلى مكاتبهم، لتخفيف وطأة الإستدعاءات علي..وما كان التحري معي في كبير..( مرة ليه ما جبت خبر البشير دا في المينشيت الاول، ومرة ليه جبت نمل السكر بتاع الدندر، ومرة ليه جبت سيرة البحر…الخ)، كمحاولة للتضييق والإرهاب..

(8)

أعود وأقول أن الحساسية المفرطة لدى أجهزة الحكم تجاه الصحافة الحرة لن تنتهي ابداً ، وقد تحدثتْ كثيرًا من نظريات الإعلام عن ضيق الحكومات خاصة الديكتاتورية بالإعلام الحر، ولذلك تظل الحكومات والأنظمة السياسية في محاولات مستميتة لاحتواء الصحافة الحرة بأساليب كثيرة منها الإغراء والترهيب والترقيب حتى تضعها تحت إبطيها ،فإما أن تضع على فمها شيئًا لذيذًا يمنعها الكلام، أوكُرباجًا على ظهرها أو سيفًا على رقبتها يفعل الشيء نفسه حتى تنكسر تمامًا، هذا إلى جانب محاربتها بالإيقاف والمصادرة وحجب الإعلانات، وفي ذلك خسائر رهيبة لايمكن لأي صحيفة أن تستمر معها..

وكي أكون منصفًا ودقيقًا أقول عن تجربة ومعاصَرة أن ذات الضيق والتضييق والتربص و”الحركات “بتاعة الإنقاذ” التي عايشتها في ظل حكومة البشير وجدتُها ب”الكربون” في حكومة حمدوك من خلال تعسف الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات حسام حيدر، ( ياخ دا مثل معاي أدوار جهاز أمن البشير ما عملها)، كما أن التنكيل الذي وجده الكاتب الراحل الطيب مصطفى بسبب مقال انتقد فيه صلاح مناع، لن يجده عتاة المجرمين حيث قُيِّدت يداه وحمل على ظهر عربة بوكس وهو مكبل!!..اللهم هذا قسمي فيما املك..

نبضة اخيرة:

ضع نفسك دائما في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق إنه يراك في كل حين.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى