
بقلم / أيوب صديق
(خبير إعلامي، مذيع B.B.C الأسبق)
المقال السادس والأخير*
أعتذر أن جاء هذا المقال متأخرًا جدا، والعزاء في أن التأخير لن يؤثر في الحقائق.. ذكرتُ في ختام المقال السابق ما قاله لي السيد إدريس البنا عضوم مجلس رأس الدولة عن حزب الأمة بمكتبه بالقصر، عن سبب غيابه عن حضور أداء اليمين الدستورية للصادق المهدي رئيسـًا للحكومة، التي شُكلت متبنية اتفاق الميرغني قرنق، وهو الاتفاقُ الذي خرجت بسببه الجبهة الإسلامية من تلك الحكومة، إذ قال لي السيد إدريس البنا نصـًا،” أنا أدعو إلى وفاق، وهذه الحكومة شُكلت في هذا القصر خِصيصـًا لإقصاءِ حزبٍ شريكٍ لنا في الحكومة وأنا لا أكون شاهدًا على ذلك”. هذا نصُ ما قاله لي في مكتبه بالقصر الرئاسي.
عدتُ بعد ذلك بفترة قصيرة إلى لندن، وكنتُ على قناعة تامة بأنني لم أترك في الخرطوم سلطة حاكمة بل اسم حكومة، ومزيدًا من فقدان الثقة فيها، ومزيدًا من الخوف الجاثم على صدور الناس مما هو في ضمير الغيب، وتحديدًا مما قد يحيق بهم لو اجتاح قرنق بقواته الخرطوم.
ومن نافلة القول وكما ذكرنا من قبل، أن السيد الصادق المهدي، عقب زوال نظام مايو توعد بأنه إذا تولى زمام الحكم فإنه سيلغي قوانين الشريعة الإسلامية التي فرضها الرئيس جعفر نميري، والتي أطلق عليها هو قوانين سبتمبر بدلا من قوانين الشريعة الإسلامية. وفي الفترة الانتقالية ، كان الصادق يُلح على الجزولي ورفاقه في الحكومة، على إلغاء قوانين الشريعة، حتى يكون هو في حل من أمر إلغائها الذي التزمه إذا جاء إلى سدة الحكم. ويُقال إنهم كانوا يقولون له إنهم لا يستطيعون إلغاءها، فإذا جئتََ أنت للحكم فتول إلغاءها بنفسك.
فاز حزبه بالأكثرية النيابية في الانتخابات التي جرت بعد الفترة الانتقالية، ومن ثم تولى هو رئاسة الحكومة، ووجد نفسه أمام قوانين الشريعة التي وعد بإلغائها فور تسلمه زمام الحكم، لأنه قال إنها لا تساوي الحبر الذي كُتبت به. ومع تلك القوانين، أعلم السيد الصادق الناسَ بأنه سيُلغي إرثًا مايويًا آخرَ، وهو إرثٌ أصبح من المعالم البارزة للعاصمة السودانية.
وقبل عملية إلغاء قوانين الشريعة، بدأ بشيء من تلك المعالم البارزة، ومنها ذلك الصرح الضخم، الذي هو مقر مجلس الشعب، القائم في مدخل مدينة أم درمان للآتي من الخرطوم، فهذا من آثار مايو فكيف يزيله وقد آل على نفسه بذلك؟
فلعله رأى هو؛ أو رُؤي له، أن إزالة المبنى أمرٌ مستحيل ولعل ما يُبرُ به وعده، ويروي به شيئًا من غليلِ خصومته السياسية، أن يكتفي بإزالة الرقم 25 الذي يعلو الحاجز الحديدي الذي يُحيط بمباني المجلس، إذ إن ذلك الرقم يرمز إلى تاريخ تفجر ثورة مايو، الذي كان يوم 25 مايو 1969 ، فيكون قد أبر بوعده بإزالة أثرًا من آثار مايو. فأزيل له ذلك الرقم، إلا أن إزالته كانت خطوة تدعو إلى السخرية، حيث بقي ذلك المبنى الفخم شامخـًا إلى بوم الناس هذا، وأمامه أثرٌ آخرُ من آثار مايو، وهو مبنى قصر الشباب والأطفال، ولم تُخبرنا المصادر إن كان نظام السيد الصدق قد أقدم على شيءٍ آخرَ بقصر الشباب والأطفال كما حدث في مقر مجلس الشعب.
ومن أكثر تلك الآثار شموخــًا واستفزازا للسيد الصادق ونظامه، قاعةُ الصداقة بالخرطوم، ذلك المبنى الذي يظل مَفخرةً من مفاخر معالم العاصمة السودانية، فهو من أبرز آثار مايو، فماذا يُفعلُ؟ كل ما استطاع فعله ذلك النظام، هو خطوةٌ تدعو إلى السخرية أكثر من أختها التي حدث بمجلس الشعب بإزالة الرقم 25 من سوره. إذ استجلب النظام الديمقراطي حجرًا جديدًا، استبدلوا به حجرَ الأساس الأصلي الذي وضعة الرئيس جعفر نميري لقاعة الصداقة، وقد كتبوا على ذلك الحجر الجديد المُستجلَب عبارة مضحكة تقول:(وضع هذا الحجر الشعب السوداني)، وكأنَّ الشعبَ السودانيَ كله تجمع من كل أنحاء البلاد في الخرطوم، ليضع حجر الأساس لقاعة الصداقة ثم انصرف الجميع عائدين إلى مناطقهم. وقد فعل الإخوة العسكريون خيرًا إذ أصروا على إعادة الحجر الأساسي إلى موضعه الطبيعي، ولم يستطع نظام السيد الصادق ــ مبلغ علمنا ــ إزالة أي من تلك المعالم بعد ذلك.
أما فيما يتعلق بإلغاء قوانين الشريعة، أو قوانين سبتمبر كما تحلو له تسميتُها، فقد جاء ذات يوم بتصريح يقول: ” لقد ورثنا في السودان قوانين شُرعت في سبتمبر 83 ، تلك القوانين التي صار اسمها التجاري إذا جاز التعبير قوانين سبتمبر، ولذلك نحن بدأنا حركة من الغاء القوانين تدريجيا شملت حتى الآن أكثر من عشرين في المئة من تلك القوانين، ولكن هناك الآن برنامج لإلغاء البقية بصورة واحدة، ولازلنا ماضين في إلغائها بالضربة القاضية”. ذلك ما وعد به السيد الصادق المهدي الشعب السوداني. وقبل أن يتمكن صاحب( إسلام الصحوة) من إلغاء نسبة الثمانين في المئة الباقية من قوانين الشريعة الإسلامية، لم يمض طويلُ وقتٍ على توعده ذاك، حتى أسفر فجرُ يوم الجمعة 30 من يونيو 1989م، والناس في عطلتهم الأسبوعية، حين سمعوا من الإذاعة والتلفزيون استيلاء القوات المسلحة على السلطة، وقد تنفس الناس الصعداء بذلك النبأ، إذ شعروا بأن خوفا قد بدأ ينزاح من نفوسهم من حلول يوم يقتحم فيه جون قرنق عاصمتهم عليهم.
كنتُ في ذلك اليوم الجمعة 30 من يونيو1989 وهو طبعا يوم عمل في بريطانيا، في معية وفد سوداني حكومي زائر، حيث سمعنا نبأ الانقلاب الذي أطاح بنظام الحكم الذي جاءوا يمثلونه في زيارة رسمية، وسمعنا باسم قائد الانقلاب وهو كما جاءنا أول مرة (العميد عمر البشير) وأذكر أنني اتصلتُ بأحد الإخوة في السفارة السودانية لاستوثق أكثر من خبر الانقلاب ومن اسم قائده. بعد فترة وجيزة رجع إلي ذلك الأخ حيث أكد لي نبأ وقوع الانقلاب، وقال لنا إن اسم قائد الانقلاب هو العميد عمر حسن أحمد البشير.
بعد مرور الأيام، علمتُ أنه كان من قادة القوات السودانية المقاتلة في الجنوب. وتذكرتُ ساعتئذٍ لقائي بذلك النفر من كبار الضباط في مكتب اللواء محمد عثمان مالك، في القيادة العامة، وما قاله لي أحدهم نصًا وهو يتميز من الغيظ،”(على الطلاق يجي قائد يقاتل في الجنوب من (المغسة) يقلب الحكومة دي). وها قد جاء قائد كان مقاتلاً في الجنوب ومن المغسة قلب الحكومة التي أجمعوا في اجتماعهم ذاك على أنها أذلتِ الجيشَ ذلةً لم يعرفها من قبل.
بعد فترة لم تطل على الانقلاب، كنتُ في الخرطوم، ووجدتُ الناس كما ذكرت وقد تنفسوا الصعداء، حيث زال من نفوسهم ذلك الخوف، من اقتحام قرنق عليهم عاصمتهم بمدنها الثلاث.
لحظتها دارت بخَلدَي تساؤل وهو ماذا كان سيحدث لو تأخر انقلابُ الإطاحة بحكومة الصادق تلك بضعة أشــهــر؟ كانت الإجابة التي عندي طبعا أن قرنق القائد الغازي لن يكتفي بشرب القهوة من يد بنت شمالية كما وعد، بل لن سيكتفي قادته كذلك بالقهوة أو الشياي من أيدي بنات شماليات أُخريات، إذ من المعروف ما يفعله العسكريون الغزاة الفاتحون بنساء المدن التي يقتحمونها!! ولكان بيننا الآن ملايينُ من المولَدِين الهجين، من أمهات شمالياتٍ لا يعرفن عن آبائهم شيئا غير أنهم من أولئك الغزاة الجنوبيون.
وقد يكون لأولئك الشماليين الملحقين بهم في الحركة الشعبية نصيبٌ كذلك من تلك الأبوة الغاصبة، وليس بمستغرب أن ينحط آنئذٍ البعض باستجلاب بنات العمومة إلى مخادع القادة الفاتحين.
أما الديمقراطية فوداعا لها، إذ لا مكان لها تحت حُكمٍ أحمرَ يتقوى زعيمه جون قرنق في ذلك الوقت بالرفيق منغستو هايلي مريام دليلاً و مرشدا. ولكن الله سلم، ونجت الخرطوم من اقتحام بوابتها الشرقية بقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وتولت سلطة الإنقاذ الجديدة حكم البلاد الذي كان عليها أن تبني قواتها المسلحة من الحضيض، وقد كان ذلك. وكانت من الخطوات الطموحة التي ابتدرتها تلك السلطة، استخراجُ النفط في تحد للسلطات الأمريكية التي قالت، (ليس هناك من قوة في الأرض تستطيع ستخرج هذا النفط) وكانت تلك الخطوة الطموحة بالسعي إلى استخراج النفط مجال تناول كثير من وسائل الإعلام آنذاك. وأذكر جيدا، أن مجلة ( آفريكا) التي كانت تصدر في بريطانيا بالإنجليزية، سألت وقتها جون قرنق عن رأيه إذ نجح نظام الإنقاذ في استخراج النفط؟ فقال (إذ أفلح النظام في استخراج النفط فسيكون من العسير الإطاحة به).
ذلك في الوقت الذي قال فيه السيد الصادق المهدي عندما سُئل عن رأيه في إمكانية استخراج نظام الإنقاذ النفط فقال قولته المعروفة ( إن ذلك من أحلام ظلوط ). وهو يشير إلى قصة قديمة درسناها في المدارس الأولية، عن ديكٍ كان منتوف الريش، و أثناء نومه حَلُم أن له ريشـًا وحاول أن يطير، فوقع فاختطفه الثعلب، وكان عنوان تلك القصة ( احلام ظلوط).
وكان للإنقاذ ما أرادت بتصميمها على استخراج النفط فاستخرجته، وبنت قواتٍ ضاربةً من الحضيض. وتخبرنا الوثائق الآن بأن حمدوك عندما كان رئيس حكومة قحت ((طاف على أقسام مجمع (اليرموك) بمؤسسة الصناعات الدفاعية، وأشاد بالتطور الذى بلغته منظومة الصناعات الدفاعية وحيّا جهودها فى توطين الصناعات الدفاعية مؤمناً على جميع أنشطتها)).
ذلك قول حمدوك وقتها، وتلك هي المنظومة التي أوجدتها الإنقاذ من الحضيض، فهل من مدكر؟!!!
الفاتحون بنساء المدن التي يقتحمونها!! ولكان بيننا الآن ملايينُ من المولَدِين الهجين، من أمهات شمالياتٍ لا يعرفن عن آبائهم شيئا غير أنهم من أولئك الغزاة الجنوبيون.
وقد يكون لأولئك الشماليين الملحقين بهم في الحركة الشعبية نصيبٌ كذلك من تلك الأبوة الغاصبة، وليس بمستغرب أن ينحط آنئذٍ البعض باستجلاب بنات العمومة إلى مخادع القادة الفاتحين.
أما الديمقراطية فوداعا لها، إذ لا مكان لها تحت حُكمٍ أحمرَ يتقوى زعيمه جون قرنق في ذلك الوقت بالرفيق منغستو هايلي مريام دليلاً و مرشدا. ولكن الله سلم، ونجت الخرطوم من اقتحام بوابتها الشرقية بقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وتولت سلطة الإنقاذ الجديدة حكم البلاد الذي كان عليها أن تبني قواتها المسلحة من الحضيض، وقد كان ذلك. وكانت من الخطوات الطموحة التي ابتدرتها تلك السلطة، استخراجُ النفط في تحد للسلطات الأمريكية التي قالت، (ليس هناك من قوة في الأرض تستطيع ستخرج هذا النفط) وكانت تلك الخطوة الطموحة بالسعي إلى استخراج النفط مجال تناول كثير من وسائل الإعلام آنذاك. وأذكر جيدا، أن مجلة ( آفريكا) التي كانت تصدر في بريطانيا بالإنجليزية، سألت وقتها جون قرنق عن رأيه إذ نجح نظام الإنقاذ في استخراج النفط؟ فقال (إذ أفلح النظام في استخراج النفط فسيكون من العسير الإطاحة به).
ذلك في الوقت الذي قال فيه السيد الصادق المهدي عندما سُئل عن رأيه في إمكانية استخراج نظام الإنقاذ النفط فقال قولته المعروفة ( إن ذلك من أحلام ظلوط ). وهو يشير إلى قصة قديمة درسناها في المدارس الأولية، عن ديكٍ كان منتوف الريش، و أثناء نومه حَلُم أن له ريشـًا وحاول أن يطير، فوقع فاختطفه الثعلب، وكان عنوان تلك القصة ( احلام ظلوط).
وكان للإنقاذ ما أرادت بتصميمها على استخراج النفط فاستخرجته، وبنت قواتٍ ضاربةً من الحضيض. وتخبرنا الوثائق الآن بأن حمدوك عندما كان رئيس حكومة قحت ((طاف على أقسام مجمع (اليرموك) بمؤسسة الصناعات الدفاعية، وأشاد بالتطور الذى بلغته منظومة الصناعات الدفاعية وحيّا جهودها فى توطين الصناعات الدفاعية مؤمناً على جميع أنشطتها)).
ذلك قول حمدوك وقتها، وتلك هي المنظومة التي أوجدتها الإنقاذ من الحضيض، فهل من مدكر؟!!!*


