
بقلم/سمير سيد عثمان
في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة ،، لم يعد خيارًا أن يقتصر خطابنا الاقتصادي على معالجة الآثار ،، بل أصبح ضرورة حتمية أن ننتقل إلى صناعة الحلول الجذرية ..
وأولى هذه الحلول هي الانتقال من ثقافة الاستهلاك المدمرة إلى ثقافة الإنتاج المحفِّزة ،، وتبني مفهوم *”التمويل المنتج”* بدلًا من التمويل الاستهلاكي ،، كرافعة حقيقية للتنمية المستدامة ..
لطالما غذّت الأنماط الاستهلاكية في مجتمعاتنا اقتصادًا هشًّا ،، وأضعفت قدرة الأسر على تحقيق الاستقلال المالي ..
والسبب جذريٌّ يكمن في نظام تمويلي تقليدي يركز على تلبية الحاجات الآنية ،، لا على بناء القدرات الإنتاجية والابتكار ..
ولتصحيح هذا المسار ،، لا بد من تبني *التمويل المنتج* ،، خاصة عبر أدوات التمويل الأصغر التي أثبتت نجاحها في دول نهضت من تحت الركام ..
التمويل الأصغر ليس فقط وسيلة لدعم محدودي الدخل ،، بل هو محفّز لتحريك الطاقات المعطلة ،، وفتح الأبواب أمام المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة ،، وتحويل الفقراء إلى منتجين وشركاء في بناء الاقتصاد الوطني ..
كما يجب أن تُدرج برامج التمويل الأصغر ضمن الخطط القومية للإنتاج ،، لا كأعمال جانبية أو مبادرات اجتماعية ..
لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة ،، لا بد من إعادة النظر في دور الريف كمصدر للإنتاج الحقيقي ،، لا كمجتمع معزول عن عجلة الاقتصاد الوطني ..
إن توجيه التمويل المنتج نحو سكان الريف لا يدعم فقط جهودهم المعيشية ،، بل يفتح آفاقاً واسعة لإنشاء مشروعات صغيرة تعتمد على الزراعة ،، الثروة الحيوانية ،، والصناعات الريفية ،، مما يخلق فرص عمل محلية ويعيد الثقة في البيئة الريفية كحاضنة اقتصادية ،،
دعم الصناعات الريفية والحرف اليدوية من خلال تنظيمها في مجموعات إنتاجية متجانسة ،، يسهم في تعزيز الكفاءة وتوسيع فرص الوصول إلى الأسواق المحلية والإقليمية ..
هذا التوجه يخلق فرص عمل مستدامة داخل المجتمعات الريفية ،، مما يسهم في تقليل معدلات الهجرة نحو الولايات المتحضرة ،، ويُعيد الثقة في الريف كمحور فاعل في دعم الاقتصاد الوطني وبنائه من القاعدة ..
وعبر تجميع الأنشطة الزراعية المتشابهة في مناطق الإنتاج الريفية يمكن خلق كيانات إنتاجية قوية ،، تصبح لاحقاً نواة لصادرات وطنية ..
كما يمكن لأصحاب الحرف في الريف تنظيم أنفسهم في مجموعات إنتاجية تعزز من تنافسيتهم وتزيد من فرص وصولهم للأسواق ..
ولا يمكن الحديث عن التنمية الريفية والتمويل الأصغر بمعزل عن دور المرأة الريفية ،، التي ظلت تمثل ركيزة أساسية في البناء الاقتصادي للأسرة والمجتمع المحلي ..
فقد أثبتت التجارب الإقليمية والوطنية ،، أن تمكين المرأة الريفية وإدماجها في النظام الاقتصادي من خلال برامج التمويل الأصغر ،، قد حقق نجاحات باهرة ،، جعلت من إنتاجها مساهمة فعلية في الناتج القومي ..
وتُعد هذه النماذج ،، التي دعمتها مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية بالتعاون مع الجهاز المصرفي الوطني ،، دليلاً عملياً على أن المرأة ليست فقط مستفيدة ،، بل شريك أصيل في نهضة الريف واستقراره ..
فالريف إذا أُنتج ،، استقر ،، وإذا استقر ،، انتعش الوطن بأكمله ..
لذا في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه السودان ،، بات من الضروري أن يُعاد النظر بجدية في أدوات السياسة الاقتصادية ،، خصوصاً تلك المرتبطة بالقطاع المصرفي ،، من أجل تحفيز الإنتاج الحقيقي والنهوض بالاقتصاد القومي من القاعدة إلى القمة ..
هنا يلعب بنك السودان المركزي دورًا محوريًا في توجيه دفة الاقتصاد الوطني ،، ولا سيما في توجيه السياسات التمويلية نحو أولويات التنمية الحقيقية ..
وفي هذا الإطار ،، يصبح من الضروري أن يتبنى البنك المركزي دورًا استباقيًا وأكثر فاعلية في إعادة هيكلة السياسة التمويلية ،، من خلال تقييم شامل لتجربة التمويل الأصغر الحالية ومن ثم إلزام المصارف برفع مساهماتها إلى أكثر من 12% من سقوف التمويل الكلي ..
هذه النسبة يجب أن لا تكون مجرد توجيه بل جزءًا ملزمًا ضمن السياسة التمويلية العامة تخضع لرقابة صارمة وتقييم دوري من البنك المركزي ،،
لضمان توجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة التي تمثّل قاطرة التنمية وركيزة الاستقرار الاقتصادي ..
إن تمكين صغار المنتجين عبر هذه الآلية ليس رفاهًا اقتصاديًا ،، بل ضرورة استراتيجية تتطلب قيادة واعية ومتابعة لصيقة من الجهة المنظّمة للمصارف ،، وهي البنك المركزي نفسه *(الاب الروحي)* ..
فحين يُموَّل صغار المنتجين ،، تتحرك عجلة الاقتصاد من الأطراف نحو المركز ،، ويصبح التمويل الأصغر أداة تنموية وليست مجرد نشاط مصرفي محدود ،، ما يستدعي من واضعي السياسات الاقتصادية أن يعيدوا هندسة دور المصارف لتكون ذراعاً حقيقياً للإنتاج ،، لا مجرد وسيط مالي ربحي ..
إن تبني هذا التوجه سيمثّل تحولاً استراتيجياً يسهم في الحد من الهجرة إلى العاصمة القومية تحديداً كذلك المدن الكبيرة ،، وتقليص الفقر ،، وتعزيز الاقتصاد التشاركي ،، وهو أمر يستحق أن يوضع ضمن الأولويات الوطنية العاجلة ..
اذن في ظل هذه التحديات يمكن استلهام حلول واقعية قابلة للتنفيذ تبدأ من تمكين الشباب عبر التمويل الأصغر ،، الذي يمثل بوابة للانخراط في النشاط الاقتصادي المباشر ،، لا سيما في مجالات الزراعة والحرف والخدمات الإنتاجية ..
ويُعد تأسيس مجموعات إنتاجية أو جمعيات تعاونية وسيلة فعالة لتقليل المخاطر الفردية وتعزيز فرص الوصول إلى الأسواق والتمويل ،، مع تشجيعهم على الاستثمار في الموارد المحلية المتاحة بالريف ،، الأمر الذي يعيد الثقة في القرى كمراكز للنمو ويعمل على استقرارهم ..
كما يجب على الدولة أن تتبنى سياسات واضحة لحماية المنتج المحلي ،، من خلال ضبط الاستيراد العشوائي الذي يغرق الأسواق ببضائع رخيصة وضعيفة الجودة ،، مما يضعف روح الإنتاج ويثبط همم المنتجين الوطنيين ..
المطلوب ليس الانغلاق على الذات ،، بل منح الأولوية للإنتاج المحلي القادر على المنافسة ،، وتوفير حوافز تشجيعية تسهم في تعزيز قدرته على البقاء والنمو ..
بذلك يصبح الشباب شركاء في التنمية ،، والمصارف أدوات فاعلة في تمويل التحول الإنتاجي ،، والدولة حامية للاقتصاد الوطني من الانكشاف والتبعية ،، لنبدأ جميعاً رحلة البناء الحقيقي من الداخل ..
ولعل من الأهمية بمكان أن يكونوا جزءاً من الحراك الوطني الداعي لسياسات اقتصادية عادلة ،، تضع المنتج المحلي في قلب المعادلة ،، وتدفع بالمصارف للعب دورها الحقيقي في التنمية بدلاً من الاكتفاء بدورها المالي التقليدي ..
بهذه الروح يمكن للشباب أن يبدأوا صناعة التغيير من الأسفل ،، خطوة بخطوة ،، حتى يتحول التمويل إلى أداة نهضة ،، والإنتاج إلى أسلوب حياة ..
في ختام هذا الطرح لا سبيل إلى نهضة حقيقية إلا عبر اقتصاد منتج ،، ولا اقتصاد منتج دون تمويل هادف يصل إلى جذور المجتمع ،، يبدأ من المواطن البسيط ،، ويمتد أثره ليصنع مجد الوطن ورفعة شأنه بين الأمم ..
لذلك نوجّه النداء عميقًا وصادقًا إلى شباب الوطن ،، وخريجي الجامعات ،، وأصحاب الحرف ،، وصغار المزارعين ،، آن أوان الجد ،، وحان وقت تشمير السواعد وبناء الحاضر بأيدينا ..
فالوطن لا ينهض بالأمنيات ،، بل بالعمل الدؤوب والإنتاج الحقيقي الذي يُعيد للسودان مكانته بين الأمم ..
فلنصنع من كل حقل مشروع ،، ومن كل ورشة منارة ،، ومن كل فكرة انطلاقة نحو المستقبل ..
الدول التي سبقتنا لم تملك أكثر من ما نملكه اليوم ،، لكنها امتلكت الإرادة ..
فلنكن على قدر التحدي ،، فـ *النهضة تبدأ بخطوة .. فلنكن نحن أول من يخطو* ..
