
بقلم / أحمد يوسف التاي
(1)
ستظل قناعتي الراسخة دائما وأبداً وبكل يقين أن أخطر الجرائم في السودان على الإطلاق هي تلك يرتكبها السياسيون، وأبشع هذه الجرائم هي “الإقصاء” المتعمد لأن نتائجه وخيمة وضرره أكبر وأشمل وحصاده مر، والمحصول النهائي للإقصاء هو إضطراب سياسي وعدم استقرار وصراع وحروب ونزاع مستمر..
لكن كي نتفق أولا على مفاهيم الإقصاء أو على الأقل نقترب من ذلك ..نطرح السؤال: هل الإقصاء ممارسة سياسية أم جريمة سياسية؟
بكل تأكيد، إذا قلنا ممارسة فهو ممارسة منحرفة، والانحراف هو الخروج عن القانون والمباديء والقيم المتفق عليها ..وإذا قلنا جريمة فلم نخرج بعيداً، على اعتبار أن الإقصاء هو تعدي على حقوق الآخرين وظلمهم، وهل تنطوي الجرائم إلا على الظلم والتعدي على الحقوق..
تمعنتُ في أكثر قضايا السودان تعقيداً فوجدتُ أن “الإقصاء” السياسي هو العامل المشترك بين جميع والأزمات .. وبسببه تتفجر المشكلات الإقتصادية والأمنية والسياسية.. إقصاء الآخرين رغبة جامحة تتملك كل السياسيين الذين عرفناهم عندما ساعدهم الحظ في الوصول إلى السلطة والهيمنة على مفاصل الدولة فيتخذون من الإقصاء حماية للسلطة والاستمرار في الهيمنة عليها والتكريس لها، وهذا الإقصاء غالباً ما ينتج عنه خصومة سياسية فاجرة ورغبة في الإنتقام لدى الجهة التي وقع عليها الإقصاء مما قد ينعكس على عدم الاستقرار ودوامة الصراع على المواقع والمناصب والموارد….
(2)
خذ مثلاً الصراع السياسي الذي برز مبكراً بين الأحزاب التقليدية التي اسهمت في الإستقلال ستجد أن محاولات إقصاء الآخر وإبعاده أوجدت ذلك الصراع والفجور في الخصومة السياسية… كل الأزمات السياسية منذ الإستقلال كان سببها الرئيس محاولة البعض عزل الآخرين وإقصائهم والإنفراد بالسلطة، حتى الإنقلابات العسكرية التي حدثت كانت محاولة إقصاء للقوى المدنية والإنفراد بالسلطة بل حتى عمليات التسليم والتسلم منها كانت كانت تمهيداً للهيمنة وإقصاء الآخر..
(3)
وخذ مثلاً الأزمة السياسية بين الجبهة الإسلامية بزعامة الترابي والقوى السياسية الأخرى التي وقع عليها الإقصاء بعد انقلاب 30 يونيو ..
وخذ مثالاً آخر عندما سقط نظام البشير مارست قوى الحرية والتغير إقصاءً عنيفاً وحاولت أن تشرعن له بالقانون الذي يعزل حزب المؤتمر الوطني عن الحياة السياسية لمدة عشرة اعوام وتعدت الاقصاء إلى محاولة إلغاء الآخر..
(4)
وخذ مثلاً أزمة شرق السودان، فقد كان محاولة مجموعة جوبا بالجبهة الثورية إقصاء المكونات الأخرى هي السبب الرئيس في إشعال أوار الأزمة ووصولها للحد الذي رأيناه، وقد كانت ردة الفعل عنيفة من الطرف الآخر الذي وقع عليه الإقصاء وشاهدنا الذي حدث..
(5)
الأزمة السابقة بين المكونين المدني والعسكري والتي غرقت فيها البلاد، تظل هي الحصاد المر لمحاولات الإقصاء المستمرة من الجانبين العسكري والمدني من جهة ، وبين المدنيين أنفسهم من جهة ثانية..وقد كانت النتيجة الفعلية لمحاولات الإقصاء تلك، ماحدث في 25 أكتوبر بعد إنقلاب المكون العسكري في المجلس السيادي على شركائهم المدنيين..فما حدث في 25 أكتوبر كان إقصاءً للقوى المدنية ومحاولة للإنفراد بالسلطة من جانب المكون العسكري، والنتيجة هي حصاد أرواح بريئة وتعقيد خطير للأزمة السياسية، وفتح الأبواب للتدخلات الأجنبية، وصراع المحاور الإقليمية والدولية على أرض السودان..ألم أقل أن محاولات الإقصاء السياسي في إطار الصراع على الكراسي والمواقع هو أس البلاء والقاسم المشترك بين كل الأزمات السياسية التي حدثت في البلاد، ولو أنهم يدركون ويعلمون أهمية قبول الآخر وإدارة الإختلاف والتنوع لما حدث الذي كان وسيكون، ولكنهم لايعلمون …….الـلهم هذا قسمي في ما أملك..
نبضة أخيرة
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الـله، وثق أنه يراك في كل حين.

