
بقلم / أحمد يوسف التاي
(1)
يحتشد التأريخ بكثير من الأحداث والتجارب ، والمواقف، وقصص النجاح والفشل، وهذه الأحداث تتكرر على مر الأزمان وقع الحافر بالحافر من أجل أن يستلهم منها عقلاء الأمم وحكماؤها العِبَر، ويستخلصوا منها الدروس المستفادة، ومن لم يتعظ بدروس التأريخ وأحداثه الجسام، ومن لم يتدبر أخبار الأمم السابقة وأسباب إنهيار الدول، فقد ضل الحِكمة والصواب، وفارق العقلانية، وأصبح كالأنعام بل هم أضل سبيلًا ، (لهم قلوب لايفقهون بها، ولهم أعين لايبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها)..
(2)
يروي لنا التأريخ أن الإستقواء بأعداء الأمة الظاهرين لضرب الخصوم السياسيين بالداخل إنما هو خسران مبين، وأن الاستنصار بالأجنبي الخارجي على خصوم الداخل ، إنما هو إنحدار وسفالة توجدها وتغذيها الأطماع والنزوات السلطوية وشهوات الملك والتسلط ، وعاقبتها أيضًا خسارة وطنية كبرى، ذلك لأن الأعداء الخارجيين في كل الأحوال يتسللون من الباب الذي يفتحه لهم الغافلون في لحظة فارقة يكون فيها الفجور في الخصومة قد أعمى أعينهم، وران على قلوبهم غبار الغفلة، واستحكم الحقد والرغبة في الانتقام على تفكيرهم.
(3)
حدثنا التأريخ عن شخصيات كثيرة وقعت في هذه الغفلة الخطيرة، وخسرت أوطانها وشعبها وندمت ندامة الكُسعي بل أشد، عندما استنصرت على خصم سياسي بعدوءٍ ماكرٍ ظاهر العداوة ، وهل الناس بحاجة إلى التذكير بالوزير إبن العلقمي الذي جلب استنصاره بالمغول وخيانته للدولة العباسية العار والدمار والخراب لدولة الخلافة الإسلامية كلها، وهل الناس بحاجة إلى التذكير باستنصار حُكام مملكة ليون في فرنسا بالحكام العرب في بلاد الاندلس، الذين ما بسطوا سيطرتهم على تلك بلاد الفرنج إلا من الأبواب التي فتحوها ل(ملوك الطوائف) العرب بالاستقواء على بعضهم فخسروا كل بلادهم..
وهل أذكِّركم باستقواء واستنصار ملوك الطوائف في الأندلس في آخر أيامها على بعضهم بحكام مملكة ليون، وهل كان ذلك الاستنصار بالعدوء إلا القشة التي قصمت ظهر بعير الأندلس، ذلك الفردوس المفقود، وضياع مجد تليد بسبب فتح الباب للتدخلات الأجنبية والبحث عن حلول خارجية لمشاكل داخلية بوسطاء هم في الأصل أعداء، و الحق أن ما ياخذه الوسطاء الأعداء من معلومات استخبارية هي في الأصل سلاح فتاك لمحاربة الأمة المستهدفة..لكن من يعقل هذا؟! أيعقله ساسة كالأنعام لايعقلون شيئا ولايهتدون سبيلًا ، إلا سبيل الصراع والشقاق و”الحفر ” والتآمر على بعضهم والإستقواء بالأعداء الأجانب، وبالشائعات والاغتيالات المعنوية؟؟! وهل يعقله ساسة أدمنوا الغباء و”البلادة ” والفساد وتبديد الموارد والفشل واضعاف الدولة بالتنازع والصراع على المناصب الوزارية والمواقع واحتكار السلطة والثروة، وإهدار المال العام في الفارغة والمقاومة.. ( أنا هسي جبت سيرة اصنام وتماثيل).
(4)
ليت ساستنا وجنرالاتنا يدركون حقيقة واحدة فقط وهي أن التنافس في السلطة عمل مشروع وله قواعده المعروفة ، شريطة أن يعرض كل حزب مؤهلاته وقدراته وإمكانياته وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وقبل ذلك أن يدركوا أن السياسة هي تنافس لأجل تحسين الأداء وليس حربًا ولا خصومةً ولا عداءً وليس لتكسُّب للمال الحرام والسحت..
أزمتنا أن الساسة فهموا أن السياسة هي فجور في الخصومة وعداء سافر واغتيال للشخصية بالشائعات وإبعاد وإقصاء الخصوم وإلغاء الآخر المنافس بأي أسلوب حتى لو بفعلٍ يُغضب الله تعالى.. فمتى يدرك هؤلاء أن الإختلاف في السياسة والرأي أمر مطلوب لأجل التنافس وتجويد الأداء، وليس لأجل التبرير لتدمير الآخر المنافس وإلغائه ومحاربته بشتى الوسائل وتخوينه وتجريمه.. ومتى يدرك هؤلاء أن هذه الممارسات هي التي كانت ولاتزال مدخل لعدم الاستقرار والانقلابات العسكرية وتدخل الجيش في السياسة، وهي ما يغذي رغبة الاطماع السلطوية عند بعض الجنرالات، وهي التي أثقلت جيشنا بأعباء السياسة والحكم واقعدته عن مهامه الأساسية وهي حماية البلاد من الأطماع الخارجية.. ..اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.
