مقالات الرأي

الباحثة الإماراتية د. أمينة العريمي تكتب عن حكومة “حميدتي ” في “نيالا”

د. أمينة العريمي تتناول الراهن السوداني

بقلم/ د. أمينة العريمي

(كتبة وباحثة إماراتية متخصصة في الشأن الأفريقي)

تناولت الكاتبة والباحثة الإماراتية  الدكتورة أمينة العريمي ملف الحكومة الموازية التي شكلتها قوات الدعم السريع المتمردة  في مدينة نيالا بالشرح والتحليل  وفقا لمعطيات محددة ومنطقية ..وتحت  عنوان:

حكومة “السلام” بلا سلام : “من منطق القوة إلى مأزق الشرعية، كتبت الباحثة الاماراتية المتحصصة في الشؤون الافريقية :

هناك قاعدة قديمة في الفكر العسكري تقول “يمكن للمتمرد أن يختبىء خلف بندقية ولكنه لا يستطيع أن يختبىء خلف رايه، لذلك قد يكسب معركة ولكنه لا يكسب السلام”.
المتأمل للتشكيل الحكومي المباغت الذي أعلنته حكومة السلام بقيادة مليشيا الدعم السريع والتي أدرجت فيه مناصب لإدارة ولايات ومناطق وأقاليم خارج سيطرتها الفعلية سيتأكد أن هذه الحكومة لا تملك من الإدراك السياسي والأمني ما يؤهلها لبناء تصور مستقبلي لحكومتها المقامة اليوم في نيالا، بدليل تعينيها والياً جديداً لولاية الخرطوم وهي لم تتقدم قيد أنملة في الفاشر الملاصقة لمناطق حواضنها الشعبية، وتلميحها المتكرر بإعادة السيطرة على مركز قيادة الدولة السودانية وكأن الحرب التي خاضتها تلك المليشيا ضد الدولة الوطنية في السودان منذ ثلاث سنوات لم تُعلمها أن هناك فرقاً بين أجندة الدولة ودولة الأجندة.
ما إن أعلنت قيادة مليشيا الدعم السريع عن إطلاق حكومتها “تأسيس” حتى سارع تحالف صمود وعلى لسان أمينها العام “صديق الصادق المهدي” بأن الحوار مع “تأسيس” جزء من رؤيتهم السياسية لتحقيق السلام، وكأن التحالفان “تحالف صمود، وتحالف تأسيس” لم يكونا متحالفان في المضمون ومتوافقان في الهدف، ولا أعلم ما هو سياق الحوار الذي تسعى إليه “صمود” مع “تأسيس” وهما ومنذ قرابة الثلاثة أعوام متقاربان في الرؤى والطرح، ومُدركان بأن التفاهمات التي أتفقا عليها على المستوى المحلي والإقليمي لم تفرضها الظروف التي أنتجتهما، ولكن فرضتها رؤية مُسبقة وجدت في مرحلة ما بعد البشير فرصة مُهيأة لإعادة إنتاج مسرحاً تتصادم فيه مصالح خصومها ويجهضُ فيه مستقبل أمة.
يدرك المكون العسكري قبل المدني لحكومة مليشيا الدعم السريع “تأسيس” بأن هذه الحكومة بلا مركز قيادي سوداني “وطني” يمكن أن ترتكز عليه على المدى القريب إلى المتوسط، وهذا ما يُضعف يقين إستمرارها على أرض الواقع، ويعود ذلك إلى الرؤية الدولية للأزمة السودانية والتي ترى بأن حكومة المليشيا “تأسيس” لا تملك من آمرها شيئاً، ولولا حالة التبعثر القيمي الذي تحياه تلك المليشيا لما تجرأت أي أطراف خارجية على إستخدامها لإسقاط الدولة الوطنية تحت شعار التهميش والمظلومية، وهذه الرؤية “وفقاً لوجهة نظر إفريقية”
صحيح أن المجتمع الدولي لم يعززها إلا أن ذلك لا ينفي عدم إدراكها بدليل تبني العديد من الشخصيات المحسوبة على المجتمع الدولي لتلك الرؤية وإنعكاس ذلك على المستوى الشعبي في القارة الإفريقية.
رغم تزاحم العقبات المانعة لتكريس حكومة مليشيا الدعم السريع “تأسيس” إلا أن هناك ثلاثة عقبات تواجه حكومة المليشيا وتضربها في مقتل:
الأولى: إفتقار القيادات العليا في حكومة مليشيا الدعم السريع للمعرفة الدقيقة لقواعد الإستراتيجيات الأمنية والإستخباراتية في المخيلة الغربية خاصة فيما يتعلق بالقارة الإفريقية والتي تم تحديثها أواخر 2024، وهذا هو الحبل الذي ستنشق به حكومة المليشيا نفسها.
الثانية: قناعة كافة المكونات المدنية التي إنضمت لحكومة مليشيا الدعم السريع “تأسيس” بما فيهم “تحالف صمود” بأن وجودها ضرورة “مؤقتة”، وتكريساً لشرعية مفقودة، ورسماً لخطوط المرحلة الراهنة وما يليها، وسينتهي الأمر قريباً بتلك المكونات المدنية في قوالب محددة المهام والمعالم لا مجال فيها للإحتكام لقانون مجرد، مع الأخذ بالإعتبار الفرق الشاسع بين حكم مدني جاء بإرادة شعبية حقيقية وبين حكم مدني مستورد تمت صياغة هياكله بوصاية ودعم خارجي.

الثالثة: لا تستمد حكومة مليشيا الدعم السريع بقاءها من الداخل السوداني، وهذا ما يفسر الرعونة السياسية التي تظهر عليها المليشيا اليوم، فمن المفارقات المضحكة أن مليشيا الدعم السريع بمجرد أنها علمت بأن هناك إحتمالات شبه مؤكدة على مشاركة دولة قطر والمملكة المتحدة في إجتماع الرباعية المزمع عقده في واشنطن، إشترطت المليشيا في حال حضور “الدوحة” لابد من وجود وفداً من إحدى الدول الثلاث “إثيوبيا، كينيا، تشاد” بإعتبارها الدول الأقرب لرؤية مليشيا الدعم السريع، وهذا الموقف بحد ذاته يفسر حدود الرعونة التي باتت عليها المليشيا، إلا أن هذه الرعونة سرعان ما سيتلاشى أثرها بعد إتمام قيادات المليشيا دورهم المنوط إليهم ويتم بعد ذلك التخلص منهم وإستبدالهم بقيادات جديدة “خبرة أقل وإنقياد أكبر”.
لم تتلقى حكومة مليشيا الدعم السريع “تأسيس” مباركات دولية ولا إقليمية، فمع تصاعد وتيرة الوعي السياسي الإفريقي المتصاعد والمتعصب لوحدة وسيادة الدولة الوطنية  في إفريقيا والذي تجاوز مرحلة الشعارات وبات كموجة متصاعدة ضربت سواحل الأطلسي وسمع صداها في شواطىء البحر الأحمر ومنها للمحيط الهندي، فكل دولة إفريقية الآن وفي ظل هذه الظروف ستنأى بنفسها عن الإنخراط في هذا العبث الذي تم إدخال السودان فيه عنوة ليقينها بأنها قد تكون التالية مع بروز دور التنظيمات المسلحة الخارجة عن القانون المهددة لسيادة الدولة الوطنية، أو أن تكون أراضيها محطة لإحتصان حكومة مليشيات تم تشكيل هياكلها في الخارج وتحاول عبثاً مزاحمة الوطن الذي لفظها.
وعليه ستعمل حكومة مليشيا الدعم السريع “تأسيس” خلال الأيام القادمة على الأتي :
ترويج حضورها دولياً في الإعلام الدولي من خلال تعزيز دور “حزب تحالف القوى المدنية المتحدة المعروف بــ “قمم” وهو الفرع السياسي لمليشيا الدعم السريع، وهذا يعني  تفعيل فروع قمم وقادتها في الخارج خاصة في أوروبا أمثال “مصطفى حميدان” و”الصادق رابح” و”الفاضل الشريف” و”محمد العليم” و”الفاضل الشريف” و”مودوي حمدين”، وهذا ينذر بتنامي الإستهجان، وتصاعد حالة الغليان الداخلي خاصة من الشخصيات المنخرطة في حكومة المليشيا “تأسيس” مثل “فضل الله ناصر برمة” وأنصاره والذين كانوا يرون بأن مشاركة “قمم” في الإجتماع لتحالف تأسيس الذي عقد في نيروبي يعتبر أحد أهم العقبات لهذا التحالف الوليد، وبالتالي تنشيط دور قادتها في الخارج اليوم سينعكس حتماً على سير خطها الخارجي وهذا ما قد يعيد الأمور للمربع الأول داخل “تأسيس”.

تكريس معالم الدولة، ومضاعفة الجهود العسكرية والأمنية للسيطرة على الفاشر، فإستمرار بقاء مليشيا الدعم السريع في سودان ما بعد البشير مرتبط ببقاء الفاشر في يدها، وما دون ذلك سيفرض حالة من التآكل الداخلي، وستُجهض حكومة “تأسيس” في مهدها.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى