
(1)
حدثنا التأريخ أن أطول مدة حصار سجلها – بشرف – في صفحاته هي سنوات حصار مدينة “كاندية” والتي بلغت 22 سنة..ظلت المدينة التي كانت تحكمها سلطات “البندقية” في جزيرة “كريت” عصية على أعدائها.. بدأ الحصار عندما هاجم فرسان الإسبارتية سفينة عثمانية ونهبوا كنوزها، وأسروا حريم السلطان، مما دفع الإمبراطورية العثمانية إلى شن حملة واسعة النطاق على جزيرة “كريت”، ولقي 70 ألف جندي عثماني مصرعهم بنيران المدافعين عن مدينتهم، بينما قتل من جنود البندقية 29 الف..
بعد 22 عاما من الحصار عرضت الإمبراطورية العثمانية الصلح ولكن المدينة المُحاصَرة رفضت الصلح في عزة وكبرياء ناهيك عن الإستسلام، حتى سقطت بالغدر والخيانة من داخلها.. ولك أن تتخيل حجم المأساة، مدينة تصمد في وجه الحصار 22 عامًا، ثم يسقطها “جاسوس” من بنيها بكل بساطة، وكما يقول المثل السوداني الشعبي :( الشجرة مابرميها إلا عريقًا فيها)..!!.
(2)
قرأنا في التأريخ أيضاً أن غالبية المدن التي يتم حصارها لايُسقطها الجوع ولا العطش ولا طول الحصار، ولكن العامل الحاسم في سقوطها واستسلامها هو “الخيانة”..
إن الطابور الخامس هو الشفرة، وكلمة السر ، والطريق الأسهل لسقوط المدن المحاصرة..فعن طريقه يعرف العدو الثغرات ومواضع الضعف، والحلقات الأضعف، وكل المعلومات التي ستكون سلاح المعركة بلامنازع..
(3)
وبإسقاط التجارب التاريخية على واقعنا في مدينة الفاشر المحاصرة منذ عام ونصف ، سنجد أنفسنا كسودانيين ، لا أقول أمام إختبار صعب، بل أمام إمتحان مكشوف والخيارات فيه محدودة جداً إما أن (ننجح) وإما أن ( ننجح) فلامجال للرسوب في إمتحان مكشوف إطلاقاً.. فقط المطلوب الآتي:
“أ” أن يكون كسر حصار الفاشر هدف كل سوداني حُر في تفكيره، غيور على وطنه، راسخ في إيمانه،مستشعراً معاناة إخوانه وإخواته في الفاشر وهم يموتون بالجوع والمسغبة وأمراض سوء التغذية ..
“ب” أن يكون كل السودانيين الأحرار يرمون بسهم واحد، ومن كنانة واحدة كل بسهمه في المجال الذي يستطيعه ويجيده..إن كان قادراً على حمل السلاح فيفعل، وإن كان ذا مال فلينفق لدعم فك حصار الفاشر، وإن كان كاتبًا أو إعلاميًا أو خطيبًا في منابر الجمعة أو مطربًا أو ممثلًا فليسخر كل جهده ومواهبه ويشحذ الهمم من أجل فك الحصار.
“ج” القتل في ميادين عامة لكل من يتخابر مع العدوء، وإحكام المراقبة اللصقة للمشبوهين، لأن هؤلاء هم مفاتيح تسليم المدينة أو إسقاطها بما يقدمونه من معلومات خطيرة..
باختصار إذا دفع كل السودانيين في اتجاه واحد وبيد واحدة، كلٌ بما يستطيع لتأكيد وحدة الهدف، فإنهم بالغوه بإذن الله وفي أيام قليلة.
(4)
على الصعيد المدني المطلوب من السودانيين الأحرار أن يرمي كلٌ بسهمه في فك الحصار، أن يتبرعوا بالمال وإن يحشدوا كل أشكال الدعم للجيش والمقاتلين والمدنيين المحاصرين ماديًا ومعنويًا ونفسيًا وإعلاميًا وإظهار التعاطف والمؤازرة والوقفة الصلبة مع أهل الفاشر المنكوبين، لأن هذه الوقفة ودفع المعنويات هي ما يصنع “الفرق” المطلوب ويسد الثغرات ويعمل على تماسك جبهة الداخل حتى لاتكون عرضة للتسلل…
(5)
أما على الصعيد العسكري، يجب أن تكون هناك دفعات معنوية عالية وقوية للجنود والمقاتلين ، دفعات ترفع درجات الحماس وتشعل روح الوطنية والغيرة على الوطن ونجدة الملهوف المحاصر في داره، فضلًا عن الترقيات الاستثنائية ومضاعفة الرواتب والمخصصات والامتيازات لكل من يكون له سهم في فك الحصار ، كل ذلك لتسريع وتيرة بلوغ الهدف في أسرع وقت ممكن..اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائما في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق إنه يراك في كل حين.

