ثمة قناعة راسخة عندي هي أن مايجري من مباحثات بين الإدارة الأمريكية والحكومة السودانية، أو بين الأخيرة وأي طرف دولي آخر بشأن قبول الخرطوم التفاوض مع قوات الدعم السريع المتمردة، هو تفاوض غير مباشر مع تلك القوات، ومهما فاوضتنا أمريكا حول أي ملف، تظل قضية الدعم السريع هي الملف الأكثر أهمية لدى واشنطون ..
كنتُ ولا زلتُ لا أرى بأسًا في التفاوض مع قوات حميدتي المتمردة سواءً تفاوض مباشر أو غير مباشر، رغم قناعتي التامة أن هذه القوات تحولت منذ احتلالها الخرطوم إلى تنظيم إرهابي لايتردد منسوبوه في إرتكاب أفظع الجرائم وابشعها بحق المواطنين العزل، ومع ذلك لا أطرد فكرة التفاوض بالمرة، لأن قيادة الدولة ستُقبِل عليها وستقْبلها يومًا طال الزمن أم قصر ، ولأن مواقف الدول لاتُبنى على العواطف، ولأنه لاتوجد دولة تقول أنها لا تقبل أي تفاوض.. الدول تقبل التفاوض مبدأً، وتضع شروطها فإن كانت تعجيزية يفهم رفضها ضمنيًا، وإلا فهي جادة..
لكن السؤال المهم والمنطقي لماذا نفاوض هؤلاء القتلة المجرمين عديمي الأخلاق والرحمة؟!
والإجابة عندي بسيطة جدًا، ولكنها تتسع بالحكمة والتدبُر والحيلة واستخلاص النتائج في النقاط التالية:
(2)
أولًا: أما الحكمة تقتضي التفاوض مع القتلة لسببين جوهريين: لوقف نزيف الدم والموارد، ولمحاسبة القتلة المجرمين لا لمكافأتهم على جرائمهم التي يندي لها الجبين..
ولا احد يجهل الفوائد التي ستجنيها البلاد من وقف الحرب وتحقيق السلام والأمن والاستقرار ثم البناء والنهضة، وكل ذلك بفهمٍ يرقى إلى منهج تفكير رجال الدولة، وليس المنهج الهتافي العاطفي.
(3)
ثانيًا: وأما التدبر تقتضيه نظرة شاملة يتم فيها تقليب المصلحةالعامة على ما سواها وهي استقرار البلاد الذي لايضاهيه أي مكسب آخر، وهو المدخل المناسب لوضع المجرمين تحت الإبط ومعاقبتهم على جرائمهم.
(4)
ثالثًا: المفاوضات ليست في كل الأحوال لتحقيق السلام، أحيانًا تُتخذ وسيلة لكسب الوقت وهو أسلوب يلجأ إليه الطرف الذي يراهن على الزمن في التغلب على خصمه، كأن يكون في انتظار إمداد او تقدم عسكري، أو تنفيذ خُدعة أو خطة أو نجدة.. والمفاوضات أحيانًا يتم استخدامها كوسيلة لحفظ ماء الوجه، وتدارك الانهيار الكامل، وهذا الأسلوب يلجأ إليه الطرف الضعيف المنهزم… والمفاوضات أيضًا يلجأ إليها الطرف الأقوى المنتصر كأسلوب متقدم ليتمكن من خلالها من الإمساك بالمجرم ومحاسبته…وهنا تأتي الحيلة التي هي من صلب السياسة وابنها الشرعي.
(5)
الحقائق التي تعززها المعطيات والتي يجب التعاطي معها بشكل جاد تبدو على النحو التالي:
( أ ) الحقيقة الأولى أن قوات الدعم السريع اختارت المفاوضات على مرحلتين…في مرحلة القوة والعنفوان أرادت من خلال المفاوضات أن تفرض واقعًا وشروطًا تمكنها من بسط سيطرتها الكاملة على كل السودان وتحويل البلاد إلى إمبراطورية أو مملكة خاصة بحميدتي يحتكر ثرواتها ويرهن قرارها السياسي للقوى الخارجية التي خدعته وامسكت بخطامه..
وتلهث الدعم السريع خلف المفاوضات الآن في لحظة الضعف والإنكسار والهزائم لتجعل من التفاوض طوق نجاه من الانهيار الشامل ووسيلة للإفلات من المحاسبة لعلها تجد صفقة تحقق لها ذلك الهدف، كل ذلك نعرفه، ومع ذلك لا نرفض التفاوض، لأمر تقتضيه السياسة والتدبر والحيلة.
(ب) والحقيقة الثانية أن قوات الدعم السريع الآن قد بلغت منها الروح الحلقوم ويلهث “اولياؤها” بحثًا عمّا يعيدها إلى الحياة، وهم ينظرون إليها وهي تلفظ انفاسها قبل الأخيرة، وقد خسرت مشروعها السياسي، وحتى مشروعها الإجرامي البديل لمشروعها السياسي، فقد خسرته أيضًا، وقد سقطت إجتماعيًا في ميزان الأخلاق سقطة ليس لها مثيل في التأريخ إلا سقطة تلك القوات البربرية التي أسسها جنكيز خان..
(ج)
ضرب المنشآت المدنية واستهداف مرافق الخدمات والبنية التحتية للدولة، بالقدر الذي فجر الغضب الشعبي داخل نفوس السودانيين هو ايضًا حمل مؤشرات لنهاية الخلاص من هذه القوة المعتدية، لأن من يفعل بالمواطنين الأبرياء العزل كل هذا التنكيل دونما ذنب ويستهدف مصالحهم على هذا النحو البشع لن يكون له في ذات النفوس المظلومة المكلومة إلا البغض والنقمة والمقت والرغبة الجامحة في الانتقام.
كما أن استهداف المنشئات المدنية الذي كشف حجم الحقد على المواطنين، هو أيضا يؤكد ضعف هذه القوة المتمردة وما أقبلت عليه إنما هو تعبير عن عجز وجنون وانتحار لها وفرفرة مذبوح.
(د )
الحقيقة الرابعة: أن رفض التفاوض بشكل نهائي مع هذه القوة المتمردة على الرغم مما جرى منها ليس من الحكمة في شيء ولايمت منهج تفكير رجال الدولة في شي ، وهو موقف لايصدر إلا من اتجاهين: عاطفي غير محسوب النتائج والفوائد أو إتجاه مرتبط بمصالح غير قومية..
(6)
وتبقى الحقيقة الكبرى هي أن التفاوض مع القتلة المغتصبين ليس لمكافاتهم بمناصب في الدولة، ولا لمسامحتهم على ما اقترفت أيديهم الآثمة، ولا للتسامح معهم، بل لأن هذا هو الطريق الأيسر والأسهل والأقرب لوقف نزيف الدم وإهدار الموارد وتحقيق الاستقرار والنهضة، ومحاسبة المجرمين وتفكيك هذا التنظيم العسكري الذي تحول إلى تنظيم إرهابي بامتياز.. المطلوب تفاوض يحقق الأمن ويحفظ الكرامة الوطنية ويشفي صدور المظلومين والمقهورين، ولا تفاوض سواه، خاصة وأن الجيش السوداني في وضع مريح يُمكِّنه من فرض شروطه وتعزيز موقفه التفاوضي على نحو شروط المنتصر ..اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.
منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.