مقالات الرأيأحمد يوسف التاى

التفاوض مع قوات الدعم السريع المتمردة..المرجعية والتوقيت

نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

 

(1)

قضية التفاوض مع قوات الدعم السريع المتمردة،ليست أمرًا هتافيًا، تسوقه العواطف والرغبات ولا أمرًا تحكمه الأمزجة والأهواء، بل هي قضية دولة تحتم عليها المسؤولية الوطنية أن تنظر بعيدًا بعيني زرقاء اليمامة، لا بعيون الذين لا تتجاوز نظرتهم موضع القدمين أو أرنبة الأنف ، ولا بعيون أمراء الحرب المستفيدين من إشعال الحرائق في كل مكان، ولا بعيون السياسيين المستهبلين، وتجار الأسلحة..

(2)

قضية التفاوض مع الدعم السريع المتمردة، محكومة مرجعية دينية وهي حكم الله الذي ألزم به المؤمنين وأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم به والمؤمنين..

ومحكومة أيضًا بقيم وأعراف دولية..

ومحكومة كذلك بأخلاق ومسؤولية وطنية مبنية على المصالح العليا للدولة والشعب..فالأمر ليس كلاما ديماجوجيًا ولامنطقًا سوفسطائيًا يخضع للمزايدات السياسية والمغالطات التي يثيرها البعض بلا هدى ولاكتاب منير.. وعلى الدولة أن تعي ذلك جيدًا ولاتنساق وراء الهتاف والرغبات وإثارة المشاعر دون حسابات المصالح القومية..

(3)

أما كون قضية التفاوض محكومة بمرجعية دينية، فلا أرى حجة أقوى من قول الله سبحانه وتعالى: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، وتوكل على الله)..فهذا هو حكم الله وأمره ومن أحسن من الله حكمًا؟؟!!.فهم الذين جنحوا الآن للسلم وأعلنوا للعالم أنهم مع السلام ووقف الحرب فقد فعلوها وإن كانوا كاذبين مرائين..

كل الشعب السوداني قاتل مع جيشه الفئة الباغية حتى فاءت الآن لأمر الله وجنحت للسلم بعد إذ عاثت في الأرض فسادًا، فلا أرى منطقًا بعد ذلك يجعلنا نرفض التفاوض والسلام، خاصة وأن الجيش السوداني الآن في أفضل وضع عسكري، وبإمكانه أن يفرض شروط المنتصر، ويقيم الحجة، ويخرس الألسن التي تقول أن الاسلاميين يمسكون بخطامه ولن يسمحون له بالتفاوض ووقف الحرب.

(4)

أما كون قضية التفاوض محكومة أيضًا بقيم وأخلاق واعراف دولية، ومسؤوليات وطنية، فأقول ما من دولة في العالم ترفض السلام ووقف الحرب التي تحصد شعبها وتنكل بهم وتنتهك حرماتهم وتهدر ثرواتهم وتبدد مواردهم واموالهم وتفتح على دولتهم مداخل الاطماع الدولية وتحول بلادهم إلى ساحة لسباق المخابرات الدولية والطامعين..واقولها ثانية لاتوجد دولة ترفض السلام ولن تستطيع أن تجهر بهذا الرفض لأنه يخالف الاعراف والقيم والأخلاق والشرائع، والمسؤوليات الملقاه على عاتقها تجاه شعبها الذي ينبغي أن يعيش حياة آمنة مستقرة ويتفرغ للتنمية والمشاريع النهضوية، كما أن المصلحة الوطنية العليا تقتضي وقف الحرب بالشروط التي يريدها الجيش السوداني، خاصة وأن العالم كله اليوم يدين مجازر وانتهاكات الدعم السريع ..

(5)

ثم نأتي بعد ذلك لقضية مهمة، وهي أن الإنحياز للسلام لايعني الخنوع للخصم والتنازل له، ولا يعني التخلي عن الشروط التي تعبر عن عزة الشعب وسيادته والإقتصاص له عن كل حق خاص ، فالسلام لايجُبُ الحق الخاص، فعلى الدولة أن تتمسك بالحق الخاص لكل مواطن نُهبت امواله، واغتُصب عرضه، وانتُهكت كرامته، وتجعل ذلك ضمن شروط التفاوض التي لاتنازل عنها، فلا احد يملك حق التنازل عن الحق الخاص..

(6)

النقطة أعلاه ستضع قائد التمرد حميدتي أمام خيارين: إما أن يعترف بأن أوامر الإبادة الجماعية، والتصفيات العرقية والاغتصاب والنهب وكل الانتهاكات، صدرت منه شخصيًا، ويتحمل نتيجة ومسؤولية ذلك هو وقياداته أو أن يسلم الدولة كل قياداته المجرمين المتورطين لتقتص منهم الدولة لشعبها في محاكم ميدانية مكشوفة ومعلنة لتكون عبرة لكل ذي بصر وبصيرة..

(6)

إذا تحقق الفعل أعلاه بذات الشروط وشروط أخرى تعزز السيادة والكرامة الوطنية للشعب، تكون الدولة قد أعذرت ووافقت الشريعة والكتاب والسنة وجنحت للسلم وفق مرجعية دينية واضحة ، ووافقت الأعراف الدولية والقيم والأخلاق المتعارف عليها حربًا وسلمًا، ولا أحد يلومها، ولا احد يتهمها بعرقلة السلام أو رفضه بالأساس ولا احد يتهمها بأنها ترضخ لرغبة فئة من الناس..فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، فليرضى من يرضى وليابى من يأبى طالما أن الأمر تنفيذًا لأمر الله…

وختامًا أقول أن الحجة البالغة الآن هو جنوح المتمردين للسلم، فهذه هي مرجعيتنا بعيدًا عن رغباتنا وامزجتنا وأهوائنا ومصالحنا الخاصة وحاجتنا للإنتقام ، كما أن التفاوض لايعني إغلاق المعسكرات وترك الاستعدادات، حتى لا يجرأوا على الغدر والخيانة، فالتفاوض احيانًا يكون وسيلة للغدر، والجنوح للسلم أحيانًا قد ينطوي على أمر دُبِّر بليل، لذلك يجب أن يكون الاستعداد للحرب حاضرًا بقدر الاستعداد للسلام..اللهم هذا قسمي فيما املك..

نبضة اخيرة:

ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى