مقالات الرأي

الدساتير المستوردة وأزمة الهوية في إفريقيا

فايف دبليوز سيرفس

بقلم/ الطيب مضوي شيقوق

(كاتب – محامي – مستشار قانوني)

لا تزال قضية الاعتراف بالمكونات القبلية التي لها خصوصيتها الثقافية والدينية والاجتماعية تمثّل أحد التحديات الجوهرية في مسار بناء الدولة الحديثة في إفريقيا. فعلى الرغم من التطوّر الملحوظ في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وتبنّي الأمم المتحدة لإعلان حقوق الجماعات التقليدية عام 2007، لا تزال معظم الدساتير الإفريقية تُعرض عن الاعتراف الحقيقي بهذه المكونات، مكتفية أحيانًا بإشارات رمزية لا تترجم إلى ضمانات قانونية ملزمة. وبينما سارت دول في أمريكا اللاتينية وآسيا خطوات واسعة نحو إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة ومجتمعاتها على أسس من الإنصاف والتعدد، بقيت الدول الإفريقية أسيرة نموذج ما بعد الاستعمار، الذي ينظر إلى الهويات القبلية والدينية واللغوية باعتبارها خطرًا على وحدة الدولة، لا رصيدًا حضاريًا يجب الاعتراف به وصيانته.

وعزز إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأقليات (1992) هذا التوجه، مُعرّفًا الأقليات بأنها جماعات قومية أو عرقية أو دينية أو لغوية، وألزم الدول بضمان بقائها وتمكينها من التعبير عن هويتها. كما أكدت المادة 8-2 من إعلان الحق في التنمية (1986) على أن المشاركة الشعبية الواسعة ليست عنصرًا تكميليًا، بل ركيزة في إعمال جميع حقوق الإنسان.

لكن رغم هذا التقدم، ظلت الغالبية الساحقة من الدول الإفريقية خارج إطار هذه الاتفاقيات، وهو ما يعكس هشاشة التكيّف بين الأطر القانونية الدولية والواقع المحلي، ويُحيل إلى أزمة أعمق في بنية الدولة الحديثة في إفريقيا.

فقد أوضح الباحث الكيني ياش غاي (1993) أن النماذج الدستورية الغربية التي طُبقت في إفريقيا بعد الاستقلال جاءت من مجتمعات متجانسة ومستقرة، بينما وُضعت في بيئة إفريقية متصدّعة إثنيًا وسياسيًا. فكانت النتيجة أن الدستور، بدل أن يكون عقدًا اجتماعيًا جامعًا، تحول إلى أداة إقصاء أو غلبة لفئة على أخرى. لكن غاي لا يُحمّل التعددية المسؤولية، بل يعتبر أن تبنّي قيم الشمول والتسامح هو الكفيل بتحقيق الاستقرار، تمامًا كما أثمرت التجربة الأوروبية، رغم ماضيها العنيف، مسارًا إصلاحيًا تدريجيًا.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز المفكر السوداني فرانسيس دينغ، الذي دعا في كتابه “الهوية والتنوع والدستورية في إفريقيا” إلى ضرورة صياغة إطار دستوري إفريقي مميز لا يستنسخ النماذج الأوروبية. وأكد أن تجاهل الخصوصيات الإفريقية، وسوء فهم الفوارق السياقية بين أوروبا وإفريقيا، شكّلا عائقًا جوهريًا أمام تطور الدولة الدستورية في القارة. وقد فشلت الدساتير الإفريقية، برأيه، لسببين: أولهما غياب دمج القيم الأخلاقية الإفريقية ضمن البنية القانونية، وثانيهما فشل تطبيق المبادئ الدستورية الغربية ضمن السياق السياسي المحلي. فالمسألة لا تتعلق بمجرد اختيار نموذج جاهز، بل بابتكار حلول دستورية منبثقة من واقع الشعوب الإفريقية وتاريخها وتنوعها الاجتماعي والثقافي.

ومن بين أهم أدوات الإدارة الداخلية للتعدد في إفريقيا، تبرز الإدارة الأهلية بوصفها مؤسسة تقليدية ذات فعالية عالية في احتواء النزاعات وتيسير التعايش. ففي السودان، مثّلت هذه الإدارة، ولا تزال، ركيزة من ركائز الضبط الاجتماعي، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي تفتقر إلى البنى القضائية الحديثة. وقد مكّنها ذلك من لعب دور حيوي في التوسط بين الجماعات، وحل النزاعات على أسس عرفية، تستند إلى شرعية اجتماعية أعمق من النص القانوني نفسه.

لكنّ القيمة الكبرى للإدارة الأهلية لا تكمُن فقط في قدرتها على تسوية النزاعات، بل في إمكان دمجها الواعي في عمليات صناعة الدساتير والتأسيس السياسي الجديد. إذ أن بناء دساتير تعبّر عن الواقع الإفريقي لا يمكن أن يتم من خلال النُخب المركزية وحدها، بل يقتضي إشراك الهياكل التقليدية التي تمثّل الامتداد الحي للهوية المجتمعية. فالإدارة الأهلية، بما تملكه من شرعية عرفية وقربٍ من القواعد الاجتماعية، قادرة على نقل تطلعات المجتمعات المحلية إلى مائدة النقاش الدستوري، بما يُسهم في إعادة تعريف مفاهيم السلطة، والتمثيل، والعدالة، من منظور إفريقي أصيل.

وقد أثبتت الممارسة في مناطق نفوذ الإدارة الأهلية في السودان، أن هذه المؤسسة التقليدية لا تزال تملك من الفعالية والقبول الشعبي ما يجعلها عنصرًا حاسمًا ليس فقط في إدارة النزاعات وتيسير المصالحات، بل كذلك في بلورة التصورات العامة حول الحقوق والواجبات والعلاقة بين المواطن والدولة. من هنا، فإن استبعادها من مشاريع بناء الدولة أو تجاهل صوتها في لحظات التأسيس الدستوري، لا يُمثّل خسارة رمزية فحسب، بل يُهدّد بفقدان الرابط الحيوي بين النص والمجتمع.

وقد تأسست هذه المكانة التاريخية للإدارة الأهلية على خلفية تنظيمات استعمارية مبكرة. فمع دخول الاستعمار البريطاني السودان، أعاد تنظيم العلاقة مع الزعامات القبلية، مُستفيدًا من انتشارهم الجغرافي وتأثيرهم المجتمعي. وفي عام 1932 صدر قانون المحاكم الذي منح زعماء القبائل سلطات قضائية واسعة، مطبّقين مبادئ العدل وفق الأعراف المحلية. ثم جاء قانون 1937 لتنظيم الإدارة المحلية، ومن بعده قانون 1951 الذي خفّض بعض صلاحيات الإدارة الأهلية لتمهيد الانتقال السياسي إلى السودانيين، وفتح الباب أمام الأحزاب والمثقفين لدخول ساحة الحكم.

ورغم ما أظهرته تلك المرحلة من قدرة الإدارة الأهلية على التجذر المجتمعي، إلا أن بعض التقارير الاستعمارية، كمذكرة الدكتور مارشال (1949)، نبّهت إلى محدودياتها، مشيرة إلى تفاوت الكفاءة بين الزعماء، واعتماد المؤسسة على تقاليد قد لا تستجيب لمتغيرات العصر، مع ضعف في آليات المساءلة، وغياب التدريب الإداري والقانوني.

ورغم تلك التحديات، ظلّت الإدارة الأهلية أحد المكونات الحيوية التي لا يمكن تجاوزها في السودان، خاصة حين يُوضع دورها في سياق العدالة الانتقالية، وهي نهج قانوني وسياسي شامل يُطبّق في الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة القمعية، ويهدف إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عبر المحاسبة، والمصالحة، والتعويض، والإصلاح المؤسسي. وتُعد العدالة التصالحية جزءًا من هذا الطيف، إذ ترتكز على ترميم النسيج الاجتماعي المتصدع، لا على الاقتصاص وحده.

وإذا كانت تجربة رواندا قد نجحت في توظيف محاكم “غاتشاشا” التقليدية لتحقيق المصالحة الوطنية عقب الإبادة الجماعية، فإن السودان يمتلك من الرصيد المجتمعي والتقاليد المتجذرة ما يؤهله لتقديم تجربة نوعية، تمزج بين العدالة الرسمية والعدالة العرفية، شريطة أن تنأى الإدارة الأهلية بنفسها عن الاستقطاب السياسي، وتحافظ على طابعها الجامع والمستقل.

غير أن هذا الدور البنّاء للإدارة الأهلية يبقى مهددًا متى ما حاولت الأنظمة الحاكمة تطويعها لأجنداتها أو إخضاعها لمنطق الولاء السياسي. فحين تتحوّل الزعامة المجتمعية إلى أداة في يد السلطة، تفقد مشروعيتها، ويضمحل تأثيرها، وتتحول من وسيطٍ محايد إلى طرفٍ في النزاع. ومن هنا، تبرز ضرورة صون الإدارة الأهلية من محاولات التسييس والاستقطاب، وضمان بقائها كجسم جامع يحتضن كل مكونات المجتمع دون تمييز، ويعبر عن الإرادة الشعبية لا عن إرادة الحاكم.

إن استعادة الاعتبار لهذه البنى لا ينبغي أن تُفهم في إطار نوستالجيا رومانسية للماضي، بل بوصفها استجابة عقلانية لحاجة آنية إلى العدالة والتماسك الاجتماعي. وبدل أن ننسخ نماذج الآخرين، آن الأوان لأن نُعيد تعريف الدولة والعدالة في السودان وفي إفريقيا عامةً بما يليق بخصوصيتنا التاريخية والثقافية.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى