مقالات الرأي

الدولة السودانية بين الإصلاح وإعادة التأسيس

حوارات حول الأفكار..(129)

بقلم/ الدكتور حيدرمعتصم

(باحث في الشأن السياسي- مدير مركز الحوار السوداني )

مدخل:
ظل الحديث عن “إصلاح الدولة” يتكرر في أدبيات السياسة السودانية منذ الاستقلال، لكن الوقائع تؤكد أن السودان لم يكن بحاجة إلى إصلاح بقدر ما هو في أمسّ الحاجة إلى إعادة تأسيس الدولة من الجذور. فالعطب ليس في الهياكل وحدها، بل في العقليات التي أنتجت هذه الهياكل، وغياب المشروع الوطني الجامع الذي يتجاوز الولاءات الضيقة، سواء كانت قبلية أو أيديولوجية.

أصل المعضلة:
كثيرون اختزلوا المشكلة في “من يحكم السودان؟”، ثم تطور الخطاب قليلاً إلى “كيف يُحكم السودان؟”، لكن الحقيقة أن الأزمة تجاوزت هذين السؤالين لتبلغ مرحلة أكثر تعقيدًا: “ما هو السودان؟ ومن هم السودانيون؟”. وهنا نكون بأننا قد انتقلنا من صراع على الأشخاص والهياكل، إلى صراع على هوية الدولة نفسها.

المراحل الثلاث للأزمة:

المرحلة الأولى: من يحكم السودان؟

تمحور الصراع السياسي في هذه المرحلة حول الفرد أو القبيلة، وتمت صياغة الممارسة السياسية على أساس الولاء القبلي أو الطائفي، لا على أساس المواطنة.

المرحلة الثانية: كيف يُحكم السودان؟
برزت فيها محاولات التوافق على نظم الحكم، لكن ظل الصراع منصبًا على الهياكل الإدارية، دون التوافق على مرجعيات وطنية جامعة.

المرحلة الثالثة (الراهنة): ما هو السودان؟
وهي مرحلة غاية في الخطورة، إذ تحوّل الصراع إلى صراع على هوية الدولة ومرجعيتها التأسيسية، فتراجعت الوطنية، وبرزت الهويات المتصارعة، وانهار مفهوم الدولة كمفهوم جامع.

الإستئصال لا الإقصاء:
ما نشهده في السودان ليس مجرد إقصاء سياسي بين الخصوم، بل محاولات استئصال كاملة، تسعى كل جماعة فيها إلى محو الآخر من الخارطة السياسية والاجتماعية، في غياب فاضح لمبدأ الشراكة، وغياب الاعتراف بالوطن كقاسم مشترك.

رؤية نحو إعادة التأسيس:
الحل لا يكمن في إصلاح النظام أو استبداله فحسب، بل في إعادة تأسيس العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه الوطن. عقد يُبنى على:

مرجعية قومية مشتركة تتجاوز الأيديولوجيا.

شراكة حقيقية بين المكونات المجتمعية كافة.

عقلية وطنية تؤمن بالدولة كفكرة، لا كغنيمة.

مؤسسات قوية، تسبق الأحزاب، وتحمي النظام من عبث السياسيين.

تيار جديد بعقلية جديدة:
كل التكتلات القديمة – إسلامية أو يسارية أو غيرها – تمثل عقلية واحدة و تيار واحد و إن إختلفت فكريا و هو تيار عقلية غنيمة أيديولوجية. أما المطلوب فهو بناء تيار وطني ثاني جديد، قائم على مرجعية قومية، يعمل على تفكيك الولاءات الضيقة، ويُعيد تأسيس الدولة وفقًا لقواعد حديثة، ومن داخل المجتمع نفسه، لا من مراكز الصراع.

خاتمة:
السودان لا يحتاج إلى “حل وسط” بين المتصارعين، بل يحتاج إلى نقلة نوعية تخرجه من العقلية القبلية – الأيديولوجية إلى عقلية الدولة الجامعة. وهذا لن يتم إلا بإعادة التأسيس، لا الترميم… نواصل.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى