
بقلم /السفير الصادق المقلي
“كاتب ودبلوماسي سوداني”
يصادف العاشر من ديسمبر الجاري الذكرى السادسة و السبعين اجازة الامم المتحدة الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام عز 1948.. في اعقاب الحرب العالمية الثانية و بداية الحرب الباردة. و كانت ثاني الآليات التعاقدية في مجال حماية و تعزيز حقوق الانسان… الاتفاقيه الدولية لمنع الإبادة الجماعية.. كما سبق الإعلان بعام واحد اجازة اتفاقيات جنيف الاربع التي تعني بقانون الحرب و القانون الدولي الإنساني..
و أن كان لشعب ان يحتفي لأول مرة بهذا الاعلان و اتفاقيات جنيف هو بما لا يدعو مجالا للشك… الشعب السوري… الذي تحرر من نظام البطش و الاستبداد و امتهان كرامة الإنسان و هضم حقوقه الأساسية في الحرية و حرمانه من حياة حرة كريمة داخل وطنه. فليهنأ الشعب السوري… حيث استطاع الثوار اقتلاع نظام الأسد الذي اكتووي الشعب السوري ببطشه لأربعة و خمسين عاما عجاف.خلف وراءه ملايين القتلي و المعتقلين و المفقودين..
من جهة أخرى تحل ذكري الاعلان العالمي لحقوق الإنسان و بلادنا تشهد أكبر انتكاسة في سجل حقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021.. الذي قوض اهم مكتسبات ثورة ديسمبر… و حكومة الثورة التي حدثت تقدما ملحوظا في سجل حقوق الإنسان في السودان..
مجلس حقوق الإنسان تاسس عام ٢٠٠٦ و جاء علي انقاض لجنة حقوق الإنسان التي كانت موجودة منذ تكوينها من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة في عام ١٩٤٦ و يتكون المجلس من ٤٧ عضوا موزع على كافة المجموعات الجغرافية ٠٠٠و نصيب القارة الأفريقية ١٣ مقعدا ٠٠
(1) دخل ملف حقوق الإنسان في السودان لأول مرة لمنظومة الأمم المتحدة في العام 1992م عقب إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية.
(2) 1993م تم تعيين أول مقرر خاص لمراقبة حالة حقوق الإنسان في السودان المحامي المجري كاسبر بيرو
(3) ظل الملف داخل لجنة حقوق الإنسان سابقا ومجلس حقوق الإنسان حاليا من العام 1992م وحتى يوم 6 أكتوبر 2020م تاريخ إعتراف مجلس حقوق الإنسان بأن الوضع قد تغير وتم إغلاق الملف وخروج السودان مما يعرف ببند الإجراءات الخاصة بعد 28 سنة، ويعتبر هذا اهم واحد من إنجازات حمدوَك..
بعد أن كان السودان يرزخ تحت مقصلة الإجراءات الخاصة المعنية بالدول المتهمة بانتهاكات حقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني ٠٠و من جنيف انطلقت مسيرة السودان نحو الجنائية الدولية حيث قررت المفوضية السامية لحقوق الإنسان تعيين القانوني الايطالي كاسياس علي راس لجنة التحقيق الدولية الخاصة بانتهاك القانون الدولي في دارفور و من بعد ذلك تمت احالة الحالة في دارفور الي الجنائية الدولية بموجب القرار ١٥٩٣ تحت الفصل السابع و وفق مادة الإحالة في ميثاق روما ١٣ على ب٠ و هي المختصة بالدول غير الأطراف في ميثاق روما٠٠و ما اعقب ذلك من اصدار مذكرات توقيف دولية في حق البشير و غيره من المطلوبين بتهمة جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في المادة الخامسة من ميثاق روما المؤسس المحكمة الجنائية الدولية و الذي دخل حيز النفاذ في عام ٢٠٠٢،اي قبل عام تقريبا من اندلاع الحرب الأهلية في السودان…
في الجزء الأول من المقال سردنا أهم مكتسبات و انجازات الموجة الأولى من الفترة الانتقالية فيما يختص بالتحسن الكبير في سجل حقوق الإنسان في أعقاب الثورة… نضيف لها…
.التعاون مع المفوضية السامية للاجئين والاتحاد الاوربي و الولايات المتحدة و الايقاد لاطلاق مبادرة الحلول المستدامة للنزوح الداخلي في السودان و جنوب السودان و قد كان مقررا اعلانها رسميا في اجتماع لقمة الايقاد يستضيفه السودان في فبراير ٢٠٢٢ .. و قد قفل الانقلاب الطريق امام هذه المبادرة.
. تغير لغة الخطاب من المواجهة الي التعاون و الشراكة مع المنظمات الدولية و غير الحكومية. نظمت البعثة الدائمة بجنيف زيارة لرئيس منظمة اطباء بلا حدود للسودان في مارس ٢٠٢١ التقي خلالها برئيس الوزراء د حمدوك …ووزير الخارجية و مفوض العون الإنساني.
٨.. اعادة فتح مكتب الاتحاد الدولي للصليب و الهلال الاحمر بالخرطوم بعد ٦ سنوات من الابعاد من قبل السلطات الأمنية…
و قد كان من أهم هذه الإنجازات توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة السودان
والمدعي العام للمحكمة الجنائية زالدولية بشأن التعاون للمطلوبين أمام المحكمة في لاهاي..
ثانيا الانتكاسة في سجل حقوق الإنسان بسبب الانقلاب و الحرب.
في الخامس من نوفمبر ٢٠٢١ ،، اي بعد اسبوعين من الانقلاب،، عقد جلسة مجلس حقوق الإنسان بجنيف جلسة خاصة لمناقشة تداعيات الانقلاب على أوضاعِ حقوق الإنسان في السودان حيث أصدر قرارا بإدانة الانقلاب بالإجماع ،كما قرر تعيين خبير مستقل السنغالي اداما دينق و الذي قام بزيارتين للسودان في فبراير و مايو ٢٠٢٢ للسودان ووثق لانتهاكات و اعد تقريرا عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في السودان.. و بعد أن قدم استقالته في نوفمبر ٢٠٢٢
تم تعيين التونسي رضوان نويصر بديلا له أواخر ٢٠٢٢…. و الذي قام بدوره بزيارة للسودان قبل الحرب زار خلالها دارفور و تفقد أحوال النازحين هناك و ما يعيشونه من ظروف قاسية..
١١ مايو الماضي عقد مجلس حقوق الإنسان جلسة خاصة أدان فيها طرفي الحرب و عزز خلالها مهمة الخبير التونسي .و أصدر قرارا في حق السودان..
لقد واجه السودان سيلا من الاتهامات من قبل المجتمع الدولي و كافة المؤسسات و المنظمات ذات الصلة بحقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني….و علي رأسها المفوضية السامية لحقوق الإنسان..و الأمم المتحدة . المحكمة الدولية الخاصة حيث شهد السودان زيارة تاريخية للمدعي العام للمحكمة و المفوض السامي لحقوق الإنسان ، فضلا عن منظمة العفو الدولية و هيومان رايتس ووتش و امريكا و الترويكا و الاتحاد الأوروبي التي ظلت تدين الانتهاكات الجسيمة و الممنهجة لقانون حقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني ،خاصة تلك المرتكبة من قبل الدعم السريع الذي ظلت تلاحقه خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن استهداف المدنيين من قبل الجيش بالقصف العشوائي…و اتهام واشنطن للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية. و كذا فرانس ٢٤ و Human Rights Watch.
أصدر مجلس حقوق الإنسان اصدار قراراً في الحادي عشر من أكتوبر ٢٠٢٣
بتعيين بعثة تقصي حقائق عن انتهاكات طرفي النزاع لحقوق الإنسان و للقانون الدولي الإنساني…
و قد أعلنت وزارة الخارجية في بيان لها عدم اعتراف الحكومة السودانية بهذه البعثة.. حتي قبل تعيين عضويتها في ديسمبر ٢٠٢٣ .
. و قد طالبت وفود الحكومة إلى اجتماعات مجلس حقوق الإنسان بإنهاء ولايتها في دورتين دون جدوى.. حيث تم التمديد لولاية البعثة في عام ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥.. و أصدرت البعثة إبان الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان بجنيف تقريرا رسم صورة قاتمة لانتهاكات حقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني من كل اطراف الحرب تحت عنوان (( حرب الفظائع )) War of Atrocities.
و بالرغم من هذا التقرير تحدث عن إدانات تصل الي ٧٥ ٪ للدعم السريع و ٢٥ في المائة للجيش يرفضون التعاون مع بعثة تقصي الحقائق..
و قد أصدر وزير العدل مؤخرًا قرارا برصد إنتهاكات الدعم السريع في الحرب… و لعله يعلم تمامًا ان المؤسسات العدلية الدولية لا تعتد بالتقارير الآحادية التى تصدر عن الحكومات و إنما تركز على التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية كبعثة تقصي الحقائق و المفوضية السامية لحقوق الإنسان و الجنائية الدولية..
و لعل هذا النهج في عدم التعامل مع بعثة تقصي الحقائق ،،هو نفس الخطأ تسبب في خسران السودان لدعواه ضد الإمارات امام محكمة العدل الدولية.. اذ لم تجد المحكمة غير تقارير آحادية من قبل الحكومة السودانية.. فرفضت الدعوى لعدم الاختصاص نسبة لتحفظ الامارات علي الفقرة التاسعة في اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام ١٩٤٨..و كان بإمكان المح ان تتجاوز هذا التحفظ كما فعلت من قبل في حق دول متحفظة… و لكن التقارير الحقوقية الدولية هي التي قبلت بموجبها الدعوى.. علي سبيل المثال حالة دولة صربيا.
علما بأن السودان سبق و أن تقدم بمذكرة لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر ٢٠٢٢ لتجديد فترة عضويته في مجلس حقوق الإنسان لمرة ثانية قدم تعهدات محددة منها احترام كافة الاتفاقيات و المعاهدات التي انضم لها و صادق عليها و احترام حقوق الانسان..و كافة الآليات التعاقدية الخاصة باحترام حقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني…و علي ضوءها تم انتخابه لولاية ثانية كعضو في مجلس حقوق الإنسان…

