مقالات الرأي

*السودان ثغوب في جدار التاريخ: (المهدية من الأسطورة إلى المراجعة)*

5Ws-service

*بقلم: دكتور ياسر احمد ابراهيم*

في تاريخ السودان، ثمة فصول لا تُقرأ كما كُتبت، بل كما أُريد لها أن تُروى.

من بين تلك الفصول، تقف المهدية — تلك الثورة التي شغلت وجدان الأمة السودانية قرنًا ونيفًا، وارتسمت في الذاكرة الجمعية كملحمة مقدسة ضد الاستعمار التركي المصري. لكن، وراء الأناشيد والشعارات، توجد ثغوب في جدار التاريخ، تخفي وجوهًا أخرى للحقيقة.

**المهدي… بين الخلاص الديني والسلطة. **

 

نشأ محمد أحمد المهدي في بيئة دينية صوفية، لكنه حمل رؤية خلاصية جعلت منه رمزًا لانتظار المخلّص في زمن القهر.

ثورته على الحكم التركي لم تكن فقط صرخة دينية، بل أيضًا حركة اجتماعية ضد الظلم والاستغلال والتمييز.

إلا أن ما بدأ كحلم للتحرر، سرعان ما تحوّل — بعد تحرير الخرطوم عام 1885 — إلى كابوس اجتماعي وسياسي.

المدينة التي فُتحت باسم الدين، *استُبيحت ونهبت وقتل فيها الآلاف من المدنيين، وسُبيت النساء بحجة أن ما قبل المهدية “جاهلية” وأن البيعة الجديدة تفتح صفحة مختلفة من الطاعة والولاء.*

 

*الخليفة عبد الله… الدولة على أنقاض الثورة*

 

بعد وفاة المهدي المفاجئة — التي قيل إنها كانت نتيجة *الحمى أو التسمم *—* تسلّم عبد الله التعايشي مقاليد الحكم، فحوّل المهدية إلى نظام صارم قائم على الطاعة المطلقة والعقيدة العسكرية.

*مارس الخليفة سياسات ترحيل قسري، وفرض على بعض القبائل الانصياع بقوة السيف، ووقعت مذابح مأساوية في مناطق مثل المتمة والهلالية والجزيرة، حيث قتل الرجال وسُبيت النساء*، كما وثّق مؤرخون سودانيون كبار مثل محمد سعيد القدال ونعوم شقير وبابكر بدري.

*كرري… ملحمة البطولة والمأساة*

عندما وقعت معركة كرري عام 1898، كان المشهد أشبه بفصل من الملاحم القديمة: عشرات الآلاف من السودانيين واجهوا مدافع الإنجليز بصدور عارية وسيوف صدئة.

*نُغني اليوم مع وردي “كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية”*، لكن خلف البطولة تختبئ مأساة إنسانية كبرى — مجزرة لم يكن لها أن تقع لو تم سماع *نصيحة القائد عثمان دقنة*، الذي فهم عقل العدو قبل أن يدركه اصرار الخليفة للقتال نهارا.

*حين يعيد التاريخ نفسه*

بعد أكثر من قرن، تتكرر المشاهد بوجوه جديدة.

تلك الفوضى التي شهدها السودان مؤخرًا على يد مليشيات آل دقلو تعيد إلى الأذهان مشهد الخرطوم في زمن الخليفة: استباحة المدن، نهب الممتلكات، تهجير المدنيين، ومحاولات لإعادة تشكيل التركيبة السكانية على أسس قبلية وعرقية.

كأنما يدور التاريخ في حلقة مفرغة، لأننا لم نجرؤ بعد على مراجعته بصدق.

 

الكتابة عن المهدية ليست طعنًا في نضال من قاوموا الاستعمار، بل هي استعادة لصوت الذين سكت التاريخ عنهم: النساء اللواتي سُبين، والأطفال الذين تيتموا، والقرى التي احترقت باسم الدين والوطن.

التاريخ الذي لا يُراجع يتحول إلى أداة لتكرار الأخطاء نفسها، والوعي الذي يرفض النقد يصبح بوابة جديدة للظلم.

إن واجبنا اليوم ليس تقديس الماضي، بل تحريره من الأسطورة حتى نُقيم على أنقاضه وعيًا جديدًا، يربط البطولة بالإنسانية، والجهاد والنضال بالعدالة، لا بالدم والولاء الأعمى.

*الخاتمة:*

السودان لا يحتاج إلى ثورات جديدة بقدر ما يحتاج إلى مصالحة مع تاريخه الحقيقي — بكل مآسيه وإنجازاته.

وحين نملك شجاعة النظر في تلك “الثغوب في جدار التاريخ”، عندها فقط يمكن أن نرى ضوء المستقبل. حتي لايكتب كاتب اخر بعد عشرات السنيين ان المتمرد حميدتي ومليشياته حاربت دوله ،56 من اجل الديمقراطيه ومن اجل الهامش ولم تكن في الحقيقه الا ذراع لمخابرات اجنببه اقليميه ودوليه دمرت كل مؤسسات الدوله من بنيات تحتيه ومؤسسات بل نهبت المنازل وقتلت عشرات الالاف من المواطنيين العزل واغتصبت النساء مستعينه بمرتزقه من دول الجوار وحتي من كولمبيا بتمويل كامل من الامارات وذلك طمعا في ثروات السودان من المعادن النفيسه مثل اليورانيوم والذهب وغيرهما والبترول والاراضي والمنتجات الزراعيه والثروه الحيوانيه والموقع الجغرافي المتميز الذي يربط شمال افريقيا بجنوبها وساحل علي البحر الاحمر يربط بين مضيق باب المندب وقناه السويس .

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى