مقالات الرأي

السودان لا يحتاج إلى وزراء متفوقين… بل إلى قادة من مدرسة الواقع

فايف دبليوز سيرفس

بقلم/ الطيب مضوي شيقوق
(كاتب – محامي – مستشار إعلامي)

من خلال تأمل عميق في مسيرة الحكم والإدارة في السودان، ترسخت لدي قناعة راسخة مؤداها أن التفوق الأكاديمي، وإن اقترن بالتميّز المهني، لا يكفيان وحدهما لصناعة القادة أو لضمان النجاح في إدارة الشأن العام.
فالمسؤولية الكبرى تقتضي من صاحبها ما هو أعمق من اجتهاد الدفاتر وأدق من مهارة التخصص، إذ تتطلب بصيرة متقدة، وحكمة متراكمة، وقدرة على اتخاذ القرار في الزمن الصعب.
فالقيادة ليست معادلة نظرية، بل تجربة حية تتغذى من الوعي بالواقع، والانغماس فيه، والتفاعل معه بصدق ومسؤولية.
فالمعرفة النظرية وحدها، مهما بلغت، لا تصنع وزيرًا ناجحًا، ولا تثمر رجل دولة. وكما قال الفيلسوف الألماني “هيغل”: “ما نتعلمه من التاريخ هو أننا لا نتعلم شيئًا منه.”
وهذا ما نفعله مرارًا في السودان، حيث نُعيد إنتاج ذات التجارب الخاسرة، ونتوهم أن من حازوا أعلى الدرجات العلمية هم بالضرورة الأصلح لإدارة الوزارات ومؤسسات الدولة.
غير أن تجارب الأمم الناهضة تقول غير ذلك. فالأدوار القيادية الكبرى – سواء في الحكم أو في الاقتصاد – لا يشغلها الأكاديميون وحدهم، بل أولئك الذين خبروا الناس، وتعلموا من الواقع، وصقلتهم التجربة. وكما قال فيكتور هوغو: “لا توجد قوة على الأرض أقوى من فكرة حان وقتها.” وهؤلاء القادة العمليون هم الذين يُدركون اللحظة، ويعرفون كيف يتخذون القرار في الوقت الحرج.
وقد علمتني سنوات عملي في مهنة المحاماة – التي امتدت لما يقارب الأربعة عقود – أن الفارق الحقيقي لا يكمن في الشهادات ولا في عدد المؤلفات، بل في عمق التجربة وحنكة التطبيق.
فكثيرًا ما وقفت شاهدًا على مشاهد عجيبة داخل قاعات المحاكم، حيث يُهزم أساتذة جامعيون مرموقون، لهم باع في التأليف والتدريس، على يد محامين من تلاميذهم، صقلتهم سنوات العمل الميداني، وأكسبتهم المنابر القضائية دربة لا تُمنح في قاعات الدرس.
ولم يكن هذا لأن أولئك الأساتذة أقل علمًا، بل لأن المهنة تُعلّم من يزاولها أشياء لا تُدرّس، وتمنح من يخوضها أدوات لا تُختبر إلا في لحظة المواجهة.
وهكذا، أدركت أن التميّز في الواقع العملي قد يعلو على التفوق في الورق، وأن المعيار الأصدق للكفاءة هو ما تُنجزه، لا ما تحمله من شهادات.

ولا يمكن الحديث عن التجربة السودانية دون استدعاء تلك الحادثة الرمزية في بدايات عهد الإنقاذ، حين سأل الأستاذ عبد الرحمن محمد علي سليمان – المحامي، الذي كان وما يزال إنقاذي الهوى، عمنا طه شيقوق، طيب الله ثراه، عن رأيه في الأفضل بين الحكم الديمقراطي وحكم الإنقاذ.
فأجابه بطريقته الشعبية الساخرة، ومن غير كثير تفكير:
“إنت يا ولدي شفت أو سمعت بناس طاحونة تعاونية متفقين؟”

وقد وجد عبد الرحمن في تلك العبارة الشعبية ما يُغنيه عن مطولات التحليل السياسي، فاختار أن يُفرد لها فصلًا كاملًا في كتابه “عابر سبيل” بعنوان:
“ديمقراطيتنا طاحونة التعاون”، استعرض فيه إخفاقات التجربة الحزبية، مستندًا إلى تلك الجملة الوجيزة التي لامست قاع الواقع، وقالت الكثير بأقل الكلمات.

أما عمّنا طه، فلم يكن في حاجة إلى طلب أو تلميح، فقد كان يعلم بطول التجربة وفراسة المجالس كيف يُنتج العبارة التي تُرضي المستمع وتُحرّك فيه نوازع الكرم.
لم يقل أكثر مما يجب، لكنه قال ما يكفي تمامًا ليجعل عبد الرحمن يمدّ يده إلى جيبه عن طيب خاطر، مكافئًا له على تلك الجملة.
هكذا تحدّث صاحب الخبرة، فبلغ قصده دون حاجة إلى شهادة، ولا استدعاء لنصوص.

ليست هذه دعوة إلى التهوين من شأن المتفوقين، ولكنها نداء لإعادة الاعتبار للكفاءة التنفيذية، والخبرة العملية، والبصيرة السياسية. وقد عبّر المتنبي عن ذلك حين قال:

> الرأي قبل شجاعة الشجعانِ
هو أولٌ وهي المحلّ الثاني

والرأي عنده، كما في تجارب الحكم الرشيد، لا يأتي من معادلات المجتهدين وحدهم، بل من عقل مجرّب، وإحساس واقعي بضرورات الفعل وسرعة الاستجابة.

نُعلي في السودان من شأن “السيرة الذاتية”، ونُقصي من له سيرة عملية. نفاخر بالألقاب، ونتجاهل الكفاءة. ثم، بعد كل تجربة فاشلة، نعود لنتساءل بمرارة: لماذا لم تنجح الحكومة؟ ونُعيد – دون قصد – تكرار قول نيتشه:
“إننا لا نُخطئ إلا عندما نعتقد أننا نعرف كل شيء.”

لقد آن الأوان لمراجعة معاييرنا، والتمييز بين “العالم” و”الفاعل”، بين “المتفوق” و”الناجح”، بين من يُحسن الشرح ومن يُجيد الفعل. فالعبقرية، كما قال الدكتور عبد الوهاب المسيري،
“ليست في جمع المعلومات، بل في ترتيبها وتوظيفها في الوقت المناسب.”

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوزراء المتفوقين أكاديميًا، بل إلى رجال دولة يحملون الشجاعة والحكمة، ويتكئون على التجربة لا الورق.
فالبلاد لا تُدار بالدرجات، بل بالبصيرة والقدرة على التنفيذ.

ولعلّ أبلغ ما يمكن أن نختم به هو تلك الحكمة الإنجليزية التي تختصر جوهر التجربة الإنسانية:

> “We listen to our elders not because they are always right,
but because they have more experience of being wrong.”

إنها خبرة السقوط والنهوض، وليست فقط المعرفة النظرية، هي ما يصنع القادة الحقيقيين.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى