نُعي للناس قبل أيام من دولة جنوب السودان، الزعيمُ السياسي الصحفيُ والمفكرُ الجنوبُ سوداني الشهيرُ بونا ملوال مادوت، عن عمر بلغ سبعةً وتسعينَ عاماً، بعد مسيرة حافلة بالعمل العام، السياسي والصحفي والفكري. لقد عرفتُ بونا ملوال، معرفة وثيقة أيام عَملي في الإذاعة وتلفزيون في السودان، عندما كان وزيرَ دولةٍ للإعلام ثم وزيرًا رئيسيًا للإعلام. وقد أحببتُ الرجلَ لما لمستُ فيه من صفاتٍ طيبة، منها أنه كان رجلاً ودودًا، متواضعًا، واضحا في تعامله مع الناس، شجاعاً في إبداء رأيه فيما يتطلب الجهر بالرأي فيه. وكان يسمح بمقابلته بمكتبه بكل يسر وفي أي وقت.
فلما كان وزيرَ دولةٍ للإعلام كان أولَ من قرر تعيين ملحقين إعلاميين بسفارات السودان. وطُويت تلك الفكرةُ ولم تُطبق إلا في عهد الإنقاذ. وفي ذلك الوقت نظم دورة تدريبية للصحفيين، وكنتُ من الذين اشتركوا فيها. وكان الذي يقوم بمهمة التدريب رجلاً بريطانيًا جيء به منتدبًا من وكالة رويترز للأنباء في لندن، اسمه (دونالد دَلاسْ) وجيء ببريطانييْن اثنيْن من لندن كذلك، واثنين من المصريين. استمرت تلك الدورة لبعض أسابيع. وقبل نهايتها رجع الرجال الأربعة، البريطانيان والمصريان، وبقي دونالد دلاس. وجاءوا لنا في تلك الدورة بمحاضرين قدموا لنا محاضرات في مختلف الفنون الصحفية. ولما كانت المحاضرات باللغة الإنجليزية، كان دونالد دلاس يتابع المحاضر ويكتب نص المحــاضرة بطــريقة ( الشورت هاند) ثم يفرغها في أوراق ويوزعها علينا بعدما يكتب نصها.
وفي نهاية تلك الدورة أقيم لنا حفلٌ نهاريٌ في جزء من حديقة الحيوان، وفي ذلك الحفل ارتجلتُ كلمة قصيرة بالإنجليزية نيابة عن زملائي، أثنيتُ فيها على الدورةِ وعلى جهود السيد بونا في إقامتها، وعلى ما قدم لنا فيها من محاضرة قيمة، وكذلك اثنيت على جهود مستر دونالد دلاس في انجاحها.
وكان بونا وراء إنشاء مجلة (سودان ناو) بوزارة الإعلام، وأول رئيس لتحريرها. كانت مجلة بلغت درجة عالية من الجودة. وأذكر أنني التقيتُ بصحفي بريطاني وكان نازلا في فندق (القراند هوتيل) ومعه نسخة من (سودان ناو)، وعندما سألته رايه فيها قال لي: هذه أفضل مجلة رأيتُها من في إفريقية، من كيب تاون إلى الأسكندرية.
كنتُ في تلك الفترة أعمل في التلفزيون، وكنتُ أحرص على إجراء مقابلات مع ضيوف السودان الرسميين، الناطقين منهم بالعربية أو بالإنجليزية، سواء كانت تلك المقابلات للتلفزيون والاذاعة أو لإذاعة صوت أمريكا أو لإذاعة لندن، اللتين كنتُ مراسلا لهما معــًا من السودان. وكان الوزير بونا ملوال يُتابع تلك المقابلات وبالذات التي كانت باللغة الإنجليزية، وكان يُسمعني ثناءه على شخصي بسببها مما كان لذلك الثناء منه دافع تشجيع لي.
أذكر أيام عملي في الإذاعة، قبل أن أنتقل إلى التلفزيون، قــابلني الأســتاذ عبد القادر يوسف سعد، عليه رحمة الله، رئيسُ قسم الإعلام بالمركز الثقافي الأمريكي بالخرطوم، وسألني إن كنتُ مستعدًا أن أعمل معهم مراسلاً لإذاعة صوت أمريكا؟ فوافقتُ على الفور. ولكنني قلتُ لازم آخذ موافقة وزارة الإعلام في ذلك، فكتبتُ طلبًا إلى وكيل وزارة الوزارة بواسطة مدير الإذاعة، أطلب الإذن لي بذلك، وقلتُ في طلبي إن ذلك العمل سيُسهم في إبراز أنشطة بلادنا التي هي ضعيفة إعلاميًا في ذلك الوقت، من خلال تلك الإذاعة، سواء كان ذلك عن طريق التقارير، أو عن طريق المقابلات مع المسؤولين الرسميين.
قدمتُ الطلب لمدير الإذاعة ليوقع عليه ثم أذهب به إلى مكتب وكيل وزارة الوزارة ليوافق عليه. ولكن مديرَ الإذاعة كتب جملة شعرتُ أنها تَحض على عدم الموافقة، ونصها هو:
(لا مانع لدينا إن كان المسؤولون يثقون فيه).
شعرتُ بالاستياء جدًا من تلك التوصية، وذهبتُ رغم ذلك إلى وزارة الإعلام في الخرطوم. ومن حُسن حظي وأنا في حوش الوزارة، جاء بونا ملوال داخلاً بسيارته، فسلم علي وسألني من حالي فأخبرته باستيائي مما كتبه مدير الإذاعة، على طلب أطلب فيه الموافقة على عملي مراسلاُ متعاونًا مع إذاعة صوت أمريكا. نظر بونا في الطلب وفي توصية مدير الإذاعة فقال مستغربًا ( شيء غريب، نحن محتاجون أن تتولى هذا العمل، حتى تُبرز ما يجري في بلادنا من نشاطات. وعلى الفور أخرج قلمه وعلى (ضهرية) سيارته كتب(لا مانع لدينا ووقع على الطلب) وقد أراحني بذلك من أمر الوكيل الذي لم أكن بالطبع أدر ما كان سيقول، وبالذات بعد تعليق مدير الإذاعة. وبسبب موافقة الوزير وتوصيته بدأتُ العمل مع إذاعة صوت أمريكا مراسلاً لها من السودان، إلى جانب عملي الأصلي في الإذاعة والتلفزيون.
في ذلك الوقت، كنتُ أرسل مواد إذاعة صوت أمريكا عن طريق المركز الثقافي الأمريكي بالخرطوم. أما مواد إذاعة لندن، فإن كانت تقاريرَ، فأذهب بها إلى رئاسة البوستة وأطلب ما يُسمى ( كولكتْ كول). أي أن يتصل الإخوة في البوستة بالإذاعة في لندن ويقولون لهم:(لدى مراسلكم تقرير يريد إرساله إليكم فهل تقبلونه؟ ) فإن قالوا نعم نقبله فسيدفعون تكلفة إرساله، وغالبا ما يقولون نعم. أما إن كانت لدي مادة مُسجلة في شريط، فعلي أن أرسلها مع أي شخص باليد مسافر إلى لندن، وبالذات إن كان صحفيـًا، ليتكرم فيوصلها إلى سفارتنا في لندن لتوصلها هي إلى الإذاعة.
ذات مرة كانت لدي مادة مسجلة في شريط، وأريد توصيلها إلى لندن. وفي هذه الحالة عادة ما أسأل إخوتنا في قسم الإعلام الخارجي بوزارة الإعلام إن كانوا يعلمون بوجود صحفي بريطاني في الخرطوم، لأرسل معه تلك المادة، لأن الصحفيين الأجانب كانوا دائما يتصلون بقسم الإعلام الخارجي بالوزارة ليسهل لهم مهامهم الصحفية في السودان.
وكنتُ ذات مرة في قسم الإعلام الخارجي فعلمتُ منهم أن الوزير بونا ملوال مسافر إلى لندن. وثاني يوم التقيتُ ببونا في حوش الوزارة، وقلت له، سمعتُ أنك مسافر إلى بريطانيا؟ فقال لي نعم، فلقتُ له إن سفرك هذا لي في مصلحة، فسألني ما هي مصلحتك فيه؟ فقلتُ له، لدي شريط فيه مادة مسجلة، راجيًا أن تتكرم وتحمله معك، وطبعا سيقابلك الإخوة في سفارتنا في لندن، فتعطيهم إياه ليوصلوه إلى الإذاعة. رحب الرجل بذلك بقوله لي(جدًا) وفعلاً قابلته اليوم التالي وأعطيته الشريط، وبعد يومين أو ثلاثة سمعتُ المادة مذاعة من الإذاعة في لندن. ولو لم يكن هذا الرجل في منتهي التواضع، لما قبل مني تكليفا كهذا وهو الوزير، وما ذلك منه إلا لتقديره للعمل الصحفي، فكان منه هذا التصرف النبيل.
وأذكر أنه في يوم من الأيام جاء إلى الإذاعة، وقال لهم عندما يكون هناك خبر مهم أعطوه الأسبقية قبل الأخبار الداخلية العادية، حتى ولو كانت أخبار الرئاسة. ولا أدري إن كان الإخوة في الإذاعة عملوا بهذا التوجيه بعد ذلك أم لا؟
ذات يوم جاء وزيرُ الإعلام المصري الدكتور كمال أبو المجد في زيارة للسودان، وفي ذلك الوقت كنتُ أعمل في التلفزيون، وأجري كما ذكرتُ مقابلات مع ضيوف السودان، فقررتُ أن أجري له مقابلة على التلفزيون. وبناء على تحديد يوم المقابلة، جاء الوزير المصري إلى التلفزيون ومعه وزير الإعلام بونا ملوال، في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا. ودخلتُ مع الوزير الاستديو بعد أن أخبرته بالنقاط التي ستتناولها المقابلة، مجرد نقاظ، دون تحديد أسئلة، وبدأتُ معه المقابلة. وفجأ طرأ علي ذهني سؤال؛ فقلتُ له، أسألك بصفتك وزير الإعلام في أكبر دولة عربية، يُوصف الإعلامُ العربي الرسمي بالسلبية، وباسترضاء الحكومات، ويُطبل لها، وليس ذلك فحسب، بل حتى إنه يُبرر الأخطاء التي تقع فيها الحكومات، فما هو رأيك في ذلك؟ سكت الوزير للحظات، وقبل إن يُجيب، لمحتُ في غرفة (الكنترول) فإذا بأحد زملائي فيها يُشير إليَّ ويشير بأصبعه الأوسط إلى صُدْغِه من رأسه، وذلك علامة (أنت جنيت)؟ فقال الدكتور أبو المجد : من المؤسف هذه حقيقة، ونحن في مصر الآن نعمل على تغيير هذا الواقع، إلى نهاية إجابته. وعندما انتهت المقابلة وخرجتُ مع الوزير من الاستديو بادرني الوزير بونا وشد على يدي وقال لي:
This is an excellent question, Ayoub.
أي هذا سؤال ممتاز يا أيوب، ثم أمر الإذاعة أن تُشير في نشرتها في الساعة الثالثة ظهرًا إلى هذه المقابلة، وربما أذاعتها قبل التلفزيون الذي سيذيعها في المساءبالطبع.
كان بونا مع تواضعه رجلاً حاسمًا جدا، وأذكر أنه جاءنا يوما في التلفزيون، وعقد اجتماعا عاما مع الموظفين لمناقشة أمور خاصة بالعمل. وكان ذلك أيام الاتحاد الاشتراكي وعمل الوحدات الأساسية في المؤسسات. وأثناء النقاش قال رئيسُ الوحدة الأساسية في التلفزيون( السيد الرئيس قال..) وقبل أن يُكمل جملته قال له بونا اجلسْ، أنا وزيرُ هذه الوزارة وليس السيد الرئيس، وعليك أن تسمع كلامي أنا لا كلام السيد الرئيس، فسكت ذلك الزميل وجلس.
وذات يوم حضرتُ اجتماعا بمكتبه ضم عددًا من رؤساء الوحدات بالوزارة، وأثناء الحديث قال أحد أولئك الرؤساء في إحدى النقاط، لقد فعلنا كذا وكذا ولم يصلنا رد منكم، فقال له يونا منفعلاً: أتريدون فضح قصوركم أمام موظفيكم؟ أنا لا أترك ورقة في هذا المكتب لليوم التالي، فلماذا لم تتابعوا الأمر بأنفسكم إذا تأخر عليكم الرد بشأنه؟
وقد أخبرني أحد المسؤولين أن بونا ملوال والدكتور الترابي حسن الترابي، هما الوحيدان اللذان يتصديان للرئيس نميري، في الاجتماعات بمعارضة كلامه في أي شأن، إن لم يتفقا معه بشأنه.
عندما التحقتُ بالإذاعة البريطانية وانتقلتُ إلى لندن، كنتُ ألتقي ببونا عندما يأتي إلى لندن من أكسفورد، التي يقيم فيها حيث أسس بها مطبوعته الشهرية
The Sudan Democratic Gazette
وكان كلما التقينا يُسمعني ثناءه على عملي في هيئة الإذاعة البريطانية مستهلا قوله بعبارة : الله يديك العافية.
ذلك هو بونا ملوال كما عرفته وأحببتُه.
منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.