مقالات الرأي

الفاشر ..صمود المدن المحاصرة

فايف دبليوز سيرفس

 

بقلم لواء ركن ( م ) د. يونس محمود محمد

(رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة الأسبق)

ماتزال صفحات التاريخ الإنساني تحتفظ بقائمة أسماء المدن التي صمدت في وجه الحصار عبر قرون الحروب والصراعات المسلحة ، تقف على رأس القائمة مدينة كاندية في جزيرة كريت حيث صمدت ٢١ سنة حتى دخلها العثمانيون عام ١٦٦٩م ، وتحتشد القائمة بالأسماء لينينغراد في الاتحاد السوفيتي ، صور في لبنان ، القدس ، بغداد في وجه المغول ، غرناطة في اسبانيا، ماريوبول حديثًا في اوكرانيا ، والفاشر في السودان ، واجتمعت كل مقومات الصمود في روح المقاومة العالية ، التنظيم العسكري ، القدرة على التكيف ، وقوة الارادة ، وهذه المقومات هي خلاصة التجارب في صمود المدن في وجه الغزاة ، ولكل مدينة سمتها البطولي ، وحنكة قيادتها العسكرية ، وصبر مواطنيها واستحضار تمسكهم بحقهم في حرية المدينة وحرصهم الا تقع في أيدي الغزاة ، مما يقدح زند التحدي ويولد طاقات جبارة تخفف وطأة الحصار ، وآثاره البالغة في نقص الغذاء والمؤن والدواء وتحديد الحركة ، والضحايا جراء القصف ، وبسبب الأمراض والأوبئة .
الفاشر امتازت على قريناتها في الصمود بعدة عوامل لم تتوافر لنظيراتها في قوائم الشرف ،وذلك لأنها عزلت عن لُحمتها واتصالها ببقية أجزاء الوطن تمامًا ، وللعام الثالث على التوالي ، مع كثافة وتركيز القصف اليومي بمختلف أنواع الأسلحة وتحديد المواقع بوجه لم يتوافر لمن حاصروا تلك المدن في ذلك التاريخ ، فالراجمات ٤٠ دليل الإسرائيلية ذوات المدى البعيد (٤٠ كلم )، ودوائر التأثير الكبيرة ، والطيران المسير ، والمصفحات ، وعربات القتال التي تحمل الرباعيات والثنائيات والمضادات للدروع والمباني كلها أسلحة حديثة ذات تأثير أكبر مما توفر في تلك الفترات التاريخية المتأخرة ،كما اختلفت صفات العدو ، ففي كل تلك الحصارات كان العدو غريبًا من خارج الحدود ، الا الفاشر فإن عدوها أخلاط من مكر دولي ، وأروقة منظمات استخباراتية ، وتمويل من دولة ( عربية ، مسلمة ) هي الإمارات العربية ، وشبكة دولية تحت الطلب ورؤساء أرخص من ( الطماطم في الشتاء )
ونفث عنصري شيطاني ، واستنفار على أساس قبلي ، وتوظيف أموال مشبوهة وطموح مجنون لعصابة آل دقلو ، وتحريض سياسي يساري ملعون خسر رهان الشعب ، واعتمد المؤامرة الدولية بقيادة الرباعية والمندوب الأممي المجرم فولكر ، ليختطفوا السودان ويلحقوه بالتدبير الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية كلها ، بل وأغرب مافي تكوين العدو المحاصر للفاشر أن من بينهم حركات من مكونات الفاشر الاجتماعية ، غرتهم أموال الإمارات فشاركوا في حصار أهلهم وقتلهم بالقصف والتجويع.
الفاشر أحصت عددًا لمئتين ونيفًا وعشرين محاولة لاقتحام المدينة من سائر أطرافها ، وفي توقيتات مختلفة مابين الاستخفاء بالليل ، ومجاهرة بالنهار ، مستخدمين كل الحيل ، وألوان الخداع ، والحرب النفسية ، والوعد والوعيد ،
وتكثيف القصف العشوائي ، وتطويق المدينة وحرمانها من دخول المساعدات ، حتى الأمم المتحدة عجزت عن ادخال أي مساعدة للفاشر ، اللهم إلا من اسقاط تقوم به القوات المسلحة تخفف به وطأة الحصار والتجويع .
ومع كل هذا الإصرار العدواني لاسقاط المدينة لتحويلها في معادلة فصل اقليم دارفور ، وتكوين حكومة ، وتوظيف كل ذلك لمعاودة الهجوم على المدن السودانية ، خاصة التي خرج منها الجنجويد تحت وقع الهزيمة الماحقة التي لحقت بهم بايدي أبناء السودان في الجيش والمشتركة والمستنفرين والشرطة والعمليات .
ولذلك يزداد الضغط بمعدلات عالية كل يوم ، وترتفع احتمالات السقوط لدى الجنجويد ، ولكن المدينة حققت فيهم ما لم يتحسبوا له ، لا هم ولا كل الذين في معيتهم من المرتزقة والمخططين ، فقد حست رمالها المتحركة كل تلك الحشود ، والمجهودات ، وأرتال الأسلحة والمعدات ، وقضت الفاشر على أغلب القيادات العسكرية من صفوة الجنجويد الذين دفعت بهم عصابة آل دقلو الى حتوفهم على بوابات الفاشر ، علي يعقوب ، شطة ، وعشرات الهلكى من القيادات ، فضلا عن آلاف القتلى الذين لا يعبأ بهم أحد ، إن هم الا ركام بشري رخيص يجمعه نظار السؤ على عجل ويلقى به في محرقة الفاشر .
والفاشر الآن في صدارة الأخبار العالمية ، تقف في ذات خط غزة من حيث تحدي مصداقية المجتمع الدولي ، ومجلس الأمن ، وكل الدعاية الكاذبة ، لأن مجلس الأمن بالضرورة يعرف أن الدعم العسكري يأتي من الإمارات العربية ،
وإفساد هذه المؤسسات واختراق نزاهتها وشراء ذمم العاملين فيها ، يؤشر أيضا للمال الاماراتي الملوث ، الذي عصب أعينهم أن ترى هذا الاجرام ، وختم على أفواههم أن يقولوا ( صه ) للامارات ومن اصطف معها ضد السودان .
الفاشر وحتى هذه اللحظة أفشلت مخطط كل هؤلاء المتآمرين ، وترقب قوافل النصر من بين ثنايا غبار المتحركات ، حتى تستريح قليلًا مما عانته من مشاق الصمود الأسطوري.
تحيات وتقدير ، وكل الثناء لأهل الفاشر
القيادة العسكرية الجديرة
والقوات المرابطة كلها جيش ومشتركة
وللمواطنين الصابرين
وبكم جميعًا ادرجت الفاشر في قائمة شرف المدن الأكثر صمودًا في وجه الأعداء.

حملة نصرة الفاشر هي قضية اللحظة
نصر من الله وفتح قريب.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى