
بقلم / حيدرمعصتم مدني
مدير مركز الخرطوم للحوار
المعارضة ليست ترفًا سياسيًا ولا تفصيلًا زائدًا عن الحاجة، بل هي ركن من أركان أي حياة عامة متوازنة. وجودها يحمي المجتمع من الاستبداد، ويفتح مساحات للنقاش والبدائل، ويضمن أن السياسة ليست صوتًا واحدًا. غير أن المعارضة ليست على صورة واحدة؛ فقد تكون وطنية، متجذّرة في الأرض، ناطقة بلسان الناس، وقد تتحول إلى “وظيفية”، مجرد أداة في حسابات الآخرين.
المعارضة الوطنية: جذور في الأرض.
المعارضة الوطنية لا تستمد قوتها من الخارج بل من الداخل. هي ابنة المجتمع، تنشأ من همومه وتطلعاته، وتبني خطابها انطلاقًا من واقعه لا من تقارير الدوائر الأجنبية. قوتها لا تُقاس بعدد الفضائيات التي تستضيفها، بل بعدد الناس الذين يجدون أنفسهم في خطابها.
هي معارضة تتحمل القمع والإقصاء، لكنها لا تفقد شرعيتها، لأنها متجذرة في قلب الناس. ومهما ضعفت أدواتها أو قلّ حضورها الإعلامي، فإنها تظل “رصيدًا استراتيجيًا” للوطن.
المعارضة الوظيفية: أداة الآخرين.
في المقابل، هناك معارضة تختار أن تستمد قوتها من الخارج. خطابها مصاغ بلغة الآخرين، أولوياتها مرسومة في مكاتبهم، وشرعيتها مشروطة برضاهم. هذه المعارضة قد تبدو قوية بفضل التمويل أو الإعلام، لكنها في حقيقتها هشة، لأنها بلا جذور.
وليس هذا المشهد جديدًا؛ ففي تاريخنا العربي، سقطت حركات معارضة حين ارتهنت للقوى الاستعمارية أو لأنظمة إقليمية، فتحولت إلى مجرد أوراق ضغط في مفاوضات لا علاقة لها بمطالب شعوبها. وفي أوروبا الشرقية زمن الحرب الباردة، برزت معارضات “وظيفية” صنعتها أجهزة الخارج، لكنها انهارت فور غياب الحاضن الدولي.
البعد الأخلاقي: خيانة الثقة
الاستقلالية ليست فقط ضرورة سياسية، بل مسؤولية أخلاقية. حين تختار المعارضة أن تكون لسانًا للآخرين لا لشعبها، فإنها لا تفقد شرعيتها السياسية فحسب، بل تخون ثقة الناس بها. الشرعية في السياسة تُبنى على الصدق مع الذات والمجتمع، لا على التماهي مع حسابات الغير.
سؤال الاستقلالية :
كل هذا يعيدنا إلى كلمة واحدة تختصر الفرق بين الوطنية والوظيفية: الاستقلالية.
استقلالية القرار تعني أن بوصلة المعارضة لا تنحرف خارج حدود الوطن.
استقلالية الخطاب تعني أن لغتها مفهومة للناس وليست مستوردة.
استقلالية التموضع تعني أن صراعها الحقيقي مع السلطة في الداخل لا في مقارّ الخارج.
فمن دون هذه الاستقلالية، تفقد المعارضة روحها وتتحول إلى ظلٍّ باهتٍ في مسرح الآخرين.
خاتمة: أي معارضة نريد.. ؟
المعارضة الوطنية، حتى وهي ضعيفة أو محاصَرة، هي ذخيرة للمستقبل. أما المعارضة الوظيفية، مهما تضخمت صورتها الإعلامية، فهي عبء على الوطن وذخيرة في يد الآخرين.
ولعل السؤال اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
هل يحتاج الوطن إلى معارضة تصرخ بلسان الآخرين، أم إلى معارضة تنطق من قلبه؟
وهل نملك الشجاعة لبناء معارضة وطنية مستقلة، تعيد السياسة إلى معناها النبيل، وتعيد للشعب حقه في أن يكون هو المرجع لا سواه؟….. نواصل
