مقالات الرأي

اليوم العالمي للمعلم… رسالة ضوء لا تنطفئ

قهوتي || شذى عبد الله طه

بقلم/ شذى عبدالله طه زين الدين

في كل عام حين يحل الخامس من أكتوبر يتوقف العالم قليلًا ليقول شكرًا للمعلم
لكن الحقيقة أن الشكر لا يكفي لأن ما يقدّمه المعلم يتجاوز حدود الكلمات ويتجاوز حتى ما يمكن قياسه بالدرجات أو الشهادات فالتعليم ليس مهنة فقط بل هو رسالة حياة يختار فيها المعلم أن يكون منارةً للآخرين مهما عصفت به العواصف

منذ اللحظة التي يدخل فيها المعلم إلى صفه تبدأ حكاية مختلفة وجوه صغيرة تحدّق فيه بثقة وقلوب بريئة تنتظر منه كلمة فكرة أو حتى ابتسامة يمكن أن تغيّر يومًا كاملًا.
المعلم لا يعلّم الحروف فحسب بل يزرع في كل طالب بذرة أمل. يُعيد ترتيب الفوضى في العقول ويمنحها القدرة على الفهم والتفكير والإبداع.

بين التعب والرسالة:

قد لا يرى الناس ما يحدث خلف الجدران حين يبقى المعلم طويلًا بعد انتهاء الدوام يصحّح الأوراق يخطّط للدروس ويبحث عن طرق جديدة ليجعل الدرس أكثر متعة وعمقًا
ورغم التعب ينهض في الصباح التالي بنفس الشغف. كأنه يبدأ من جديد
هذا الشغف هو ما يجعل التعليم أكثر من مجرد وظيفة، إنه حياة تُعاش في كل لحظة داخل الفصل

المعلم هو أول من يزرع الثقة في النفس وأول من يلاحظ موهبة صغيرة قد لا ينتبه إليها أحد. وهو أيضًا من يحمل همّ طلابه معه إلى البيت، يفكر في الذي لم يشارك في الحصة وفي التي كانت حزينة وفي الذي بدأ يفقد اهتمامه فجأة
المعلم الحقيقي لا يفصل بين عمله وقلبه لأن التعليم عنده ليس مهمة بل رسالة

من أنا… معلمة

أنا معلمة وربما لا أفعل شيئًا خارقًا للعادة لكنني أؤمن أنني أساهم في تغيير العالم بطريقة هادئة يومًا بعد يوم
أجلس أمام تلاميذي وأرى في أعينهم الغد فأعاملهم كما أتمنى أن يُعامل المستقبل أبنائي
أحيانًا أكون أمًّا، وأحيانًا صديقة وأحيانًا أكون صمتًا لطيفًا في زحام أصواتهم

التدريس جعلني أتعلم قبل أن أُعلّم علّمني الصبر والاتزان والبحث عن الأمل في التفاصيل الصغيرة. علّمني أن كل طالب يحمل قصة مختلفة وأن كل عقل يحتاج مفتاحًا خاصًا وكل قلب يحتاج دفئًا ليُزهر
وحين أسمع أحد طلابي بعد سنوات يناديني معلمتي أشعر أن شيئًا بداخلي ما زال حيًا لم يخمد رغم تعب السنين

العطاء الذي لا يراه أحد:

كم مرة بكى المعلم بصمت لأنه شعر أنه لم ينجح في إيصال فكرته؟
وكم مرة كتم غضبه ليحمي قلب طفلٍ صغير من الانكسار؟
وكم مرة ابتسم رغم أوجاعه فقط ليُشعر طلابه بالأمان؟

لا أحد يدرك كم من الجهد النفسي والعاطفي يبذله المعلم
ورغم كل ذلك ما زال يعطي دون انتظار مقابل لأن الجائزة الحقيقية ليست مادية بل لحظة نجاح أو بريق فخر في عيون أحد طلابه

العالم يتغير لكن المعلم يبقى هو الثابت

قد تتطور التكنولوجيا وتظهر وسائل تعليم حديثة لكن لا شيء يمكن أن يحلّ محلّ القلب الإنساني للمعلم
فالمعلم هو الذي يعطي المعنى لما يُعرض على الشاشة وهو الذي يزرع القيم قبل أن يشرح المعادلات
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدّم المعلومة لكن لا يستطيع أن يمنح الطالب شعور الأمان أو دفء الكلمة أو الإيمان بنفسه

ختامًا..

في يوم المعلم، لا أريد أن يُقال لنا شكرًا فحسب بل أريد أن يُفهم حجم ما نحمله من حب ومسؤولية
نحن لا نُدرّس فقط بل نبني مستقبلًا نحمل في أيدينا أملًا لأوطانٍ بأكملها نكتب التاريخ في عقول صغيرة ستكبر يومًا وتغيّر العالم

إلى كل معلمة ومعلم في المدن والقرى في الفصول الحقيقية أو الافتراضية
إلى من حملوا الطبشور كأنه شعلة نور في زمنٍ معتم
إلى من لا يزالون يؤمنون بأن التعليم هو الطريق إلى النهضة
كل عام وأنتم بخير
وكل عام وأنتم النور الذي لا ينطفئ.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى