مقالات الرأي

بعد العودة من النزوح عادت معنا المنكرات، وعاد الظلم في أبشع صوره

فايف دبليوز سيرفس

هل لا يتذكرون؟

بقلم/ الشيخ عبد الجبار المبارك أحمد

“داعية إسلامي”

يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾
(التوبة: 126

يخبرنا الله تعالى عن طبيعة النفوس التي تُبتلى وتُحمَّص في أتون الفتن والمحن، لعلها ترجع، وتذكر، وتفيق من غفلتها. ولكن، كم من الناس – بعد أن تنجلي المصيبة – يعودون أشد غفلة، وأقسى قلبًا، وأبعد عن الحق مما كانوا!
هذا هو حال كثيرٍ من الناس اليوم بعد عودتهم من النزوح، وقد ظننا – حين رأيناهم في أوج المأساة – أنهم لن يعودوا كما كانوا. فقد كانوا يومها أشد تراحما، وأوثق رباطا، وأصدق حديثا، وأعمق وعيا بقيمة الوطن ومعنى فقده. كانوا يلومون أنفسهم على الغفلة، ويتفكرون في نعمة الأمن التي لم يعرفوا قدرها إلا بعد فقدها. كانوا يكرهون الظلم، وينبذونه، ويمدحون العدل، ويتطلعون إليه.

كان الناس يعلنون براءتهم من كل من تعاون مع المعتدين والظالمين، حتى لو كانوا من أقرب أقربائهم. وكانت كلماتهم تهتز لها المشاعر: “لو عدنا إلى ديارنا، لنفعلن كذا وكذا، لن نتهاون مع الظلم مرة أخرى، ولن نغفر للخيانة”. كان الوعي حاضرا، والحق واضحا، والشعور الوطني متوقدًا.

لكن للأسف، ما إن رجعوا إلى ديارهم، حتى عادت المنكرات تمشي على قدمين، وعاد الظلم في أبشع صوره، لا فقط بفعله، بل بالدفاع عنه، والسكوت عليه، بل وتبريره! عادت القلوب تتباعد، وتبدد التراحم، وساد التباغض والكراهية، حتى بين الذين كانوا بالأمس جبهة واحدة في وجه الخطر.

حتى السياسيون والقادة، الذين كانوا في لحظات الشدة كالصف المرصوص، تغيرت بعض مواقفهم الوطنية النبيلة التي كانت محل إشادة ومصدر إعجاب ، وتفرقت كلمتهم، بعدما كان الشعب يفرح بتصريحاتهم، ويهتف للوحدة، ويتغنى بالجيش الواحد والشعب الواحد، ويفخر بالهجانة في الأبيض. وبالفرقة 22 في بابنوسة، ويدعم المشتركة والعمل الخاص، وبكل من وقف في خندق الدفاع عن الوطن.

شعبٌ كان لحمة واحدة في الفتنة، يتألم لحصار الفاشر، ويحزن لفقد نيالا، ويتهلل فرحا لتحرير كل شبر من أرض السودان، كيف له أن يتناسى كل هذا حين انفك عنه الخطر؟

فلنعد إلى رشدنا، ولنكن في رخائنا كما كنا في شدتنا.
فلنعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرق.
فلا تسلبوا أنفسكم حلم السودان الجديد، السودان المتجاوز للقبيلة والحزب والجهة، السودان الذي نبنيه جميعًا على أنقاض محنتنا، لا الذي نهدمه بأيدينا.

ولا تعطوا العدو العصا التي يضربكم بها.ابعدوا عن كل ما يضعف قوتكم ويذهب ريحكم والعدو يتربص بكم، قال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))
كونوا كما كنتم في أيام الحصار والنزوح: قلوبًا متحدة، وأرواحًا متراحمة، وأيديًا على قلب واحد.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى