
بقلم/ الدكتور حيدرمعتصم
(رئيس مركز الخرطوم للحوار)
في كل الأوطان، تشكل فكرة التمثيل حجر الزاوية في تأسيس الدولة الحديثة. أما في السودان، فقد تحولت هذه الفكرة إلى مأزق بنيوي عميق، تجاذبته أطراف متعددة، من أحزاب سياسية إلى أجسام مجتمعية مدنية و أهلية ، دون أن يتم التأسيس المرجعي الواضح لمعنى “تمثيل الشعب”.
بين التمثيل المجتمعي و التمثيل السياسي
الأحزاب السياسية، بحسب التعريف الكلاسيكي،تمثل أدوات تعبير عن الإرادة الشعبية في العمل السياسي، لكنها في السياق السوداني لم تعد كذلك؛ إذ تحولت إلى أدوات صراع أيديولوجي تسعى للسيطرة على الدولة بدلًا من تمثيل المجتمع داخلها.
في المقابل، ظهرت الأجسام المجتمعية و المدنية من نقابات، و إتحادات و جمعيات،و غيرها من مبادرات مهنية كتعبير عن الوجدان الحي للمجتمع، لكنها بقيت خارج الهياكل الدستورية، تعمل في الظل، تُمدح حين تُفيد وتُقمع حين تُخالف.
الحاجة إلى مفهوم مركب للتمثيل
إن السؤال: “من يمثل الشعب؟” ليس سؤال اختيار بين السياسي والمجتمعي، بل هو سؤال بنيوي عن علاقة الدولة بالمجتمع.
وهنا يجب التفريق بوضوح بين:
التمثيل السياسي القائم على الأجندات والبرامج والتنافس الانتخابي.
والتمثيل المجتمعي القائم على المعايشة اليومية والانغماس في قضايا الناس.
كلاهما مهم، ولكن يجب أن يُعاد ضبط العلاقة بينهما على أساس من التكامل لا التنافر، ومن الشراكة لا التنافس.
أزمة النماذج وغياب الهياكل
غياب النموذج المؤسسي الواضح لتمثيل المجتمع جعل كل طرف يحاول أن ينفرد بالشرعية، فكانت النتيجة:
تحول النقابات والروابط إلى أذرع حزبية.وانقسامها كمبادرات بحسب الولاء السياسي.
وتفريغ مؤسسات المجتمع المدني من مضمونها التمثيلي لصالح الاستقطاب الحزبي.
نحو صيغة تمثيل جديدة
المخرج من هذه الدوامة يبدأ من الاعتراف بأن المجتمع هو الأصل، والدولة خادمة له، والأحزاب أدوات تنظم هذا التفاعل.
ولذلك يجب العمل على:
هيكلة العلاقة بين المجتمع والدولة من خلال قوانين تحمي استقلال المجتمع المدني وتمنحه شرعية الرقابة والمساءلة.
فصل العمل الحزبي عن العمل المجتمعي فصلاً مؤسسياً واضحًا يمنع التداخل والاختطاف.
تمكين المجتمع من امتلاك أدوات التعبير الذاتي والتنظيم الذاتي كمصدر رئيسي للشرعية السياسية.
الخاتمة:
في لحظات التحول الكبرى، لا تنجح الأمم إلا حين تعيد الاعتبار للمجتمع بوصفه حجر الأساس لبناء الدولة، لا مجرد أداة لصعود النخب السياسية.
فالتمثيل ليس لافتة تُرفع، بل عقد اجتماعي يُبنى على المشاركة، لا على الوصاية. وعلى الشفافية لا على الهيمنة.
📌26مارس 2024
