
بقلم/ الشيخ عبد الجبار المبارك احمد
نُشر مؤخرًا مقال للكاتب الأستاذ عادل عَسُوم وفقه الله
مقالاً بعنوان : “لماذا النبي نوح؟”، تناول فيه ظاهرة لغوية واجتماعية متكررة، وهي نداء اسم “النبي نوح” عند رؤية العقرب، واستعرض في مقاله ما ورد من آثار وحكاياتٍ تراثية بهذا الخصوص، ثم ختم برأي يرى فيه عدم المانع من ذكر اسم نبي الله نوح في هذا السياق، على ألا يكون على وجه الاستغاثة، مع توجيهه إلى الأذكار النبوية الصحيحة في نهاية مقاله.
ونحن إذ نُثمن للكاتب جهده في البحث وتتبع ما نُقل في هذا الباب، ونُقِر له بتفضيله للأذكار النبوية الصحيحة، وحرصه على التنبيه على قضية الشرك، إلا أننا نُسجّل على المقال عدداً من الملاحظات العلمية الدقيقة، تنطلق من باب البيان الشرعي والضبط العقدي، لا من باب التقليل أو التجريح، وهي:
أولًا: عبارة “النبي نوح” المنتشرة لا تخلو من خطرٍ عقدي
الكاتب أقر أن هذه العبارة منتشرة بين النساء وكبار السن، وتُقال عند رؤية العقرب، أي في موضع خوفٍ وطلب دفع الضر، وهذا السياق – كما هو معلوم – موضع تعوّذ واستغاثة، لا يصح أن يُقال فيه إلا ما ثبت شرعًا، لأن الدعاء والتعوّذ عبادة، والعبادة لا تُبنى إلا على التوقيف.
ورغم تنبيه الكاتب إلى ضرورة ألا تكون العبارة على وجه الاستغاثة، إلا أن السياق الشعبي الغالب عليها أنها تُقال استغاثةً وتبركًا، لا مجرد ذكرٍ لغوي، وكان الواجب هنا التحذير منها بوضوح وسوق الناس إلى البديل الصحيح المشروع، لا فتح الباب لها أو التماس الأعذار لها، ولو بحسن نية.
ثانيًا: التوجيه إلى الذكر المشروع كان واجبًا كافيًا
من الإنصاف أن نُقر أن الكاتب وجّه في نهاية مقاله إلى الأذكار الصحيحة التي ثبتت عن النبي ﷺ، كقول:
“أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق”
و”بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء…”
والرقية بالمعوذات
لكن كان الأَوْلَى والأَولى أن يقتصر على ذلك، وأن يُغلّب التوجيه الصريح إلى هذه الأذكار ويَصرف المسلمين إليها وحدها، لا أن يُقدّم ما ورد من آثار لا تصح في الباب ثم يُلحق بها الذكر المشروع، فيتوه القارئ بين الثابت والمردود، ويتوهم أن الجميع في درجة واحدة من القوة والاعتبار.
ثالثًا: الآثار التي استُند إليها لا تصح ولا تقوم بها حجة
الكاتب استند إلى آثار نقلها ابن عبد البر، والدميري، والقشيري، لكنها من حيث الصناعة الحديثية ‘ لا تصح للاحتجاج، بل هي بلاغات مرسلة أو منقطعة، لا يُعرف لها سند ثابت، كما في:
بلاغ سعيد بن المسيب: “من قال سلام على نوح…”، وهو مرسل لا تقوم به حجة.
قول عمرو بن دينار: من أقوال أهل العلم، وليس مرفوعًا ولا معضدًا بإسناد.
والأهم أن هذه الآثار لم يثبت شيء منها عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، ولم يُعرف عن أحد من السلف أنه خصّ هذا الذكر بموضع الخوف من العقارب.
وكان الأولى بالكاتب وهو من المهتمين بالبحث أن يعبّر بدقة علمية فيقول:
((لم أجد له تصحيحًا))
بدل قوله؛
((لم أجد له تضعيفًا))
لأن الأثر إن لم يصح، فهو مردود من جهة الأصل، لا سيما في مسائل تتصل بالتوحيد والذكر.
نُقِر للكاتب حرصه على الجمع بين الواقع الشعبي والنصوص الشرعية، وحرصه على التنبيه على خطأ الاستغاثة، ونشكره على تفضيله للأذكار النبوية، ولكن كان يجب عليه من باب المسؤولية العلمية أن يَصرف الناس بالكلية إلى الأذكار الثابتة في الكتاب والسنة، وألا يربطهم بعاداتٍ لا تخلو من شرك أو بدعة، وفي موضعٍ تعبدي خطير.يتعلق بواحد من صور الشرك كقول العامة ((يا النبي نوح) وهو موضع استغاثة واستعاذة
والله نسأل أن يرزقنا جميعًا التوفيق في القول والعمل، والاتباع الصادق لمنهج النبوة في الاعتقاد والعبادة والتوجيه، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.



