
بقلم/ جعفر عباس
عرفت الثراء، بمعنى وفرة المال في محطات عديدة في حياتي، كانت الأولى عقب خروجي من السجن، حيث وجدت أكثر من 300 جنيه تخصني في “أمانات” خزينة وزارة التربية، لأن المعتقل كان يتقاضى راتبه خلال فترة الاعتقال، ناقصا فقط علاوة غلاء المعيشة، وعندما تم استدعائي في الوزارة لأستأنف العمل تمنعت وتدللت: ما حاجتي الى العمل وعندي ثروة ضخمة؟ بل فكرت في طريقة تعيدني الى السجن حتى يرتفع رصيدي الى نُص الألف، ووقتها كان الناس يقولون عن الشخص المغرور “التقول عنده نص الألف”
المحطة الثانية في رحلة الثراء كانت عندما بلغت مدخراتي بضع مئات من الجنيهات بسبب سيطرة خطيبتي على شؤوني المالية لتوفير ميزانية الزواج، وكدت أصاب بنوبة قلبية لأن تلك المبالغ تبخرت في غضون أيام معدودة..
ثم كان الاغتراب الأول في شركة أرامكو، وفور وصولي مطار الظهران سلمني مندوب من العلاقات العامة 3000 ريال، وقال لي إبليس الصغير: شوف طريقة وارجع السودان فورا، ولكن إبليس الكبير قال لي: طول بالك يمكن يعطوك 30 الف في آخر الشهر. وندمت لاحقا لأنني لم اسمع نصيحة ابليس الصغير..
ثم جاء دور الاغتراب في ابوظبي، وبعد الاستضافة في فندق لكذا يوم أعطوني 30 ألف درهم وقالوا لي إنها “بدل أثاث”. وفكرت في العودة الفورية الى السودان، ولكن جاءني ابليس الكبير وقال: طول بالك ويمكن يعطوك 300 ألف في مرحلة لاحقة، وطارت ال30 الف وطارت بعدها ألوفات حتى أدركت ان حلم الثراء طار وفات.
فيما تلا من سنوات الاغتراب انطبق عليّ المثل: يلِمّها النمل ويطأها الفيل. وكان الفيل هو المدارس والجامعات، ولكن الحكمة التي ظللت اسمعها من امي عبر السنين كانت “الخالي من الدين غني”، فمهما كانت الضوائق المالية التي مررت بها تفاديت الاقتراض، وتعلمت ان أعيش في حدود راتبي الشهري (بل لم احسب ما اكسبه من الكتابة الصحفية ضمن الميزانيات الشهرية لأنها لم تكن “مضمونة” كراتب جهة العمل الرسمية). وشيئا فشيئا صار عندي الإحساس بأنني ثري لأنني غير مدين لأي لبنك او انسان.
ولكن وبكل صدق، لو كانت عندي ملايين بعملة محترمة، لم عملت حتى لحساب نفسي. أنوم وأقوم على كيفي. أصلا لماذا يلهث شخص عنده مثلا 10 ملايين دولار ليجعلها 20 مليون؟ لو صرف منها 10000$ شهريا يكفيه ما عنده لأكثر من 80 سنة. ولو كان عندي مثل ذلك المبلغ كنت سأوظف عندي سائقا للسيارة وطباخا يريح ام المعارك من شغل المطبخ بشرط ان يجيد إعداد اللقيمات ومديدة الحلبة التي أعشقها، وخبير مساج يعالج التعسيمة (الشد العضلي) في رقبتي وكتفي
إذا أراد الله لك ان تصبح مليونيرا بعملة محترمة، ما هي الأمور التي تشتهيها نفسك وتنفق بسخاء لتحصل عليها.


