
بقلم: أحمد يوسف التاى
(1)
جولة واحدة فقط في سوق الدندر كافية جدًا لتمنحك يقينًا صادقًا بأن حجم البؤس والإنحدار الذي وصلنا إليه قد بلغ المنتهى، واستعصم بالذروة، فهل بعد الذروة إلا “السقوط”..
جولة واحدة فقط تنبيك عن فوضى الموازين والمكاييل، والأحجام المختلفة للغش التجاري..
(2)
جولة واحدة فقط، تؤكد لك يقينًا أن الناس تصالحوا مع هذا النوع من الاحتيال والنصب، ولم يعد هناك من يستغرب من وجود موازين ومكاييل ناقصة تعمل داخل السوق دون مواربة أو خجل، ويكسب اصحابها مليارات الجنيها خاصة في موسم شراء محصول السمسم،الذي يتيح لبعض اللصوص فرصة كبيرة لامتلاء الخزائن بالسحت والمال الحرام لمجرد القيام بعملية احتيال صغيرة في هيكل الميزان..
(3)
جولة واحدة فقط ولاتزيد، تنبيك أيضًا عن خلل كبير في الرقابة.. لأن الخلل ليس بحاجة لتتبع أو متابعة أو رقابة، ولأنه يتحدث عن نفسه بمكبرات الصوت عند القلة : (ملوة تامة، ملوة تامة) مثلًا، وكأن المكيال التام هو ميزة فريدة أو نادرة يجب الترويج لها والتعريف بها لما يميزها عن الآخرين أصحاب المكاييل الناقصة..
(4)
جولة واحدة فقط ولاتزيد ستعرف من الباعة أن لديهم مكيالين احد هما تام بسعر أعلى يحددونه هم، وآخر ناقص بسعر السوق المتعارف عليه..
المفارقة العجيبة أن هذا الاحتيال والنصب تصالح معه الناس وحتى الحكومة، وأما رجال السوق فهم يعتبرونه خيارا مشروعا، وليسوا بحاجة إلى إخفاء عملية الاحتيال المشروعة بقانون فوضى السوق.
(5)
البؤس الذي أوميء إليه هنا ليس إلا مؤشر يعكس ما يحدث في كل البلاد ، لطالما أن تلك هي حالُ الطيبين، الذين كنا نعدهم من الأخيار أهل المروءة والنجدة وهذا الغش التجاري عندهم عيب كبير، والاحتيال خلق ذميم، كيف لا وهم أحفاد رجال كان الصفاء القاسم المشترك بينهم، وقد ورثوا السوق من نفرٍ ضربوا أروع الأمثال في الصدق والنزاهة والإستقامة والإيثار، أمثال: الحاج يوسف كسلا، الحاج محمد عبد الرحيم، طه يوسف طه، ويحى محمد يوسف، وغيرهم الكثير من ذلك الجيل الفريد..
(6)
كشف لي صديق يعمل في تجارة المحاصيل، عن أكبر عملية احتيال وغش يقوم بها نفر من تجار اليوم “الفلاهوة” الذين ينشطون في شراء السمسم حاليًا..
بعض هؤلاء “لصوص” يقومون بعملية احتيالية في الميزان تجعله ينقص الوزن نحو عشرة أو خمسة أرطال في كل قنطار سمسم، فإذا اشترى أحدهم ألف قنطار ، فإنه يكسب سحتًا حوالي عشرة أو خمسة ألف رطل فضلا عن الأرباح التي يتقاضاها من الشركة أو التاجر الكبير الذي يمولهم بالمال لشراء السمسم..
(7)
بعض التجار الكبار، – بحسب محدثي – يحددون لهم سعرًا للقنطار،لايزيدونه مهما كانت الظروف ، وهم أي – الفلاهوة- يشترون في بعض الأحيان بأكثر من السعر الذي يبيعون به للتاجر الكبير وهو يعلم ذلك، ويعلم كذلك أنهم ينصبون العشرة أو الخمسة ارطال في كل قنطار حسب عملية الاحتيال، يصمت التاجر الكبير على الجريمة طالما اللصوص يجلبون له السمسم بكميات كبيرة.
(8)
الأزمة الأخلاقية التي أتحدث عنها عنوانها البارز الترويج علنًا للغش التجاري، رغم أنف الرقابة الحكومية.. والاحتيال والغش واللصوصية أضحت تمشي بين الناس حاسرة الرأس، بارزة الصدر، مثقلة الأرداف لتفتن الناس عن دينهم وعن الحلال، حتى يتصالح كل الناس مع هذا السحت ليكون مشاعا في المعاملات ، ويعتاد عليه الجميع حتى يصبح جزءًا من المعاملات المعمول بها داخل السوق وبدون أدنى حرج أو تخفِّي، حتى يصل الناس فقدان الإحساس بغرابة هذه الجرائم من مكاييل ناقصة ومخالفة للمواصفة والمقاييس..
واخطر ما في الأمر هناك موازين تنهش لحم صغار المزارعين الغلابة في وضح النهار،في ظل غياب رقابة الدولة وضعفها.. الدولة التي اعدت سوقًا للمحاصيل، ولكن من ضعفها تحداها التجار، وفتحوا أسواق محاصيل أمام محلاتهم، و(مافيش حد احسن من حد)….والحق أن الدولة ، أسد على الغلابة، وأما مع أصحاب النفوذ المالي و أصحاب الحناجر الغليظة والأقوياء نعامة ربداء تجفل من صفير الصافر… اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

