أحمد يوسف التاى

حكايات مثيرة في تجربتي الصحافية (1)

نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

بقلم/ أحمد يوسف التاي
(1)
في العام 2010، وبينما أنا مستغرقٌ في كتابة تقرير إخباري، وقف أمامي في صمت وقور ، شخصٌ مهندمٌ، قدم لي نفسه: أنا عصام محمد احمد مسؤول التحصيل بشركة النظافة بولاية الخرطوم ، وعصام محمد احمد (الساحر ) هو ذلك الكاتب المثقف والمطلع الذي يكتب حاليًا بموقع 5Ws-service، مقالات راتبة تمتاز بالجرأة والوضوح..

ولفظ “الساحر” لقب أطلقه عليه زملاؤه المقربون لإجادته فن “تزوير”  القرارات الحكومية وتقليد إمضاء المسؤولين قبل التوبة النصوحة طبعًا (صورة الأستاذ عصام مرفقة بهذا المقال)..
بعد التعريف بنفسه استرسل عصام قائلًا:( ياخ أنا بصراحة جاييك مخصوص انت بالذات، أنا عايز أعترف ليك بحاجة غلط كنت قاعد أعملها أنا وزملائي وأصبحت سنة سيئة مازالت مستمرة ..!!.
اتفضل اعترف..هكذا رددتُ عليه، دون إكتراث ..
واصل : ( نحنا قاعدين نزوِّر القرارات الحكومية الخاصة بتحديد قيمة رسوم النفايات بالنسبة للشركات والبنوك والمؤسسات الحكومية.. نحنا عندما نستلم القرار الحكومي نقوم بتعديل قيمة الرسوم إذا كانت 3000 ألف جنيه  بنضربها في 10 ونعدلها تبقى 30000 جنيه، يعني نقوم بتزوير الرسوم بعد إجازتها بواسطة المجلس التشريعي..
فجأة انتبهتُ لخطورة الكلام الذي يضع مسؤولين كبار بالحكومة في دائرة الاتهام بالتزوير وأخذ أموال الناس بالباطل وبغير وجه حق وعن طريق التزوير والغش والاحتيال..
من إفادة السيد عصام فهمت أن دافع المتحصلين بقيادة السيد عصام  هو الحوافز الضخمة التي يحصلون عليها من الإيرادات العالية بسبب التزوير..( نجي بس يا أستاذ نجيب القرار المزور للمؤسسات الحكومية بمبالغ خرافية وهم طوالي بدفعو ولا بتوقفو، وكذلك الشركات والهيئات والبنوك) هكذا قالها عصام..!! .
(2)
من المفارقات المضحكات المبكيات ، قال عصام في حوار الاعترافات الخطيرة  الذي اجريته معه  بصحيفة الإنتباهة حول هذه الجريمة الكبرى، والغفلة العظيمة التي تكشف فداحة التعامل مع المال السائب الذي لا وجيع له، ولا رقيب.. من المفارقات قال عصام : ذهبنا إلى المجلس التشريعي الذي اجاز  الرسوم وحددها وقابلنا رئيس المجلس وطلبنا منه التصديق بدفع الرسوم المفروضة على المجلس كمؤسسة، فمسك القرار وقرأه وقال لهم: (بالله نحنا أجزنا الرسوم الكتيرة دي؟) ثم أعطى الأمر بالدفع كأن شيئًا لم يكن ، ولم يفكر ولم يتدبر ولم يطف بذهنه ما كان يمكن ان يستوقفه في قرار مزور  يحدد رسومًا مضاعفة عشرة مرات..!! ألم أقل أن المال السائب الذي علم (ناس عصام التزوبر) لا وجيع له..
فضلتُ أن أجري مع عصام حوارًا يكشف فيه كل شيء ويعترف فيه بكل شيء طالما أنه جاءني يقصدني بالإسم لإعلان توبته للرأي العام السوداني ويتبرأ من هذا الجرم ويضع له حدًا، طالما أنه جاء تائبًا لله ونادمًا على ماكان منه ويريد أن يمضي في الطريق المستقيم.. وقد كان الحوار الضجة الذي اربك حسابات الحكومة والمعارضة، فالاخيرة على لسان مريم الصادق قالت هذه مسرحية من النظام، تصوروا!!! والحكومة على لسان مستشار بوزارة العدل لوحت بأن   المعارضة هي من اوزعت لصديقي عصام بتفجير هذه القنبلة لتشويه سمعة الحكومة (وربما ظنت أن في الأمر استهداف للمشروع الحضاري )..وهكذا كنا مبتلين على الدوام بحكومة ومعارضة تدمن صناعة الخرف والأوهام والخزعبلات وتصدقها، ذرية بعضها من بعض…ما علينا..
(3)
ووللامانة والتاريخ عصام رجل نقي السريرة صادق المقال، بسيط في كل شيء يمتلك قلب طفل رضيع يقول الحق ولو على نفسه وولده لايخشى في الحق المَلام، وعندما أقبل على فضح نفسه وزملائه وقيادات المؤسسة التي يعمل بها إنما أراد أن يوقف العبث الذي صنعه هو بكلتا يديه ومضى عليه الفاسدون في صمت مخجل..بدت لي صفات عصام تلك جليًة من خلال جلسة الحوار الذي اجريته معه..لحسن خلقه وصفاء ضميره امتدت العلاقة بيني وبينه إلى يومنا هذا..
(4)
بعد الحوار الذي أحدث ضجة واسعة وردود فعل عنيفة في اوساط الحكومة ومؤسساتها التشريعية واجهزتها الرقابية والعدلية، توجهت قوة أمنية  اعتقلت السيد عصام (الساحر) ، وتم استدعائي لمكاتب نيابة الصحافة تارة، ونيابة أمن الدولة تارة، والثراء الحرام تارة أخرى، وتعالي يا الأسئلة التجريمية (الما ياها) كما يقول صديقنا العيكورة..
نواصل غدًا بإذن لله..

اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب  أن يراك فيه الله، وثق إنه يراك في كل حين.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى