
بقلم/حيدر معتصم مدني.
(مدير مركز الخرطوم للحوار)
حين تتحول الوسائل إلى فخاخ: كيف تقع المعارضة في شباك الآخرين؟.
المعارضة التي تفقد استقلاليتها لا تنهار فجأة، بل تسير خطوة بخطوة نحو الفخ. تبدأ بقبول دعم خارجي “مؤقت”، ثم تعتمد على إعلام موجَّه، ثم تراهن على تدويل قضيتها، ثم تجد نفسها تتكلم بلغة لا تشبه ناسها. وهكذا، تتحول الوسائل التي كان يفترض أن تدعمها إلى قيود تخنقها، حتى تفقد جوهرها الوطني.
1. التمويل الخارجي: حين يُشترى القرار.
المال السياسي ليس بريئًا. كل دولار يأتي من الخارج يجر وراءه شرطًا، وكل منحة تفتح بابًا للتدخل.
التمويل الخارجي قد يبدو حلًا سريعًا لأزمة الموارد، لكنه يزرع بذرة التبعية في قلب المعارضة.
سرعان ما يصبح السؤال: لمن تدين هذه الحركة بالولاء؟ لشعبها أم لمموليها؟
التاريخ مليء بمعارضات انهارت بمجرد انكشاف ارتباطها بجهات تمويل أجنبية، لأن الجماهير لا تقبل أن تُستبدل وصاية بوصاية.
2. الإعلام الموجَّه: صورة لامعة… جسد هش.
الإعلام أداة، لكنه حين يصبح الملاذ الوحيد، يتحول إلى قيد.
معارضة “تعيش على الشاشات” تبدو قوية في الصورة، لكنها ضعيفة في الشارع.
الإعلام قد يصنع زخما، لكنه لا يصنع شرعية.
من دون قاعدة اجتماعية، كل صورة إعلامية مصيرها أن تتلاشى.
كم من معارضة صنعتها الشاشات، ثم اختفت بمجرد أن تغيّرت السياسات التحريرية أو تبدلت موازين القوي.
3. التدويل: ورقة في يد الآخرين
حين تراهن المعارضة على الخارج بدل الداخل، فإنها تضع مصيرها بيد قوى لا ترى في قضيتها سوى ورقة تفاوض.
التدويل قد يوفّر دعمًا عابرًا، لكنه يفرغ المعارضة من مشروعها الوطني.
تتحول القضية إلى بند في أجندات كبرى: ملف يُفتح ويُغلق بحسب مصالح الآخرين.
وبذلك، تصبح المعارضة ـ من حيث لا تدري ـ مجرد بند ثانوي في لعبة أمم لا تعبأ بمصالح الشعوب.
4. الخطاب المستورد: لغة غريبة عن الناس
أخطر ما قد تقع فيه المعارضة أن تفقد لغتها الخاصة.
حين تستعير خطابًا مصاغًا في مختبرات الممول أو قاعات المنظمات الدولية، تبدو كأنها تتحدث بلسان لا يفهمه شعبها.
الخطاب الحقوقي، مثلًا، يصبح فارغًا إن لم يُترجم إلى لغة الخبز والحرية والكرامة التي يفهمها الناس.
المعارضة التي لا تُصغي إلى وجدان مجتمعها، تفقد القدرة على التأثير فيه، حتى لو ملأت الدنيا شعارات رنانة.
خاتمة: طريق الاستقلال أم طريق التبعية؟
هذه الفخاخ الأربعة ـ التمويل، الإعلام، التدويل، الخطاب المستورد ـ ليست أقدارًا محتومة، بل اختيارات سياسية و المعارضة التي تضع حدودًا صارمة لهذه الأدوات تحافظ على استقلاليتها، أما التي تنزلق وراء بريقها فتفقد نفسها.
إن المعارضة التي تقوى بشعبها قد تُحاصَر لكنها لا تنهزم، أما المعارضة التي تقوى بالآخرين فهي قد تبدو لامعة، لكنها تنهار عند أول تبدل في رياح الخارج.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل تريد المعارضة أن تكون مشروعًا وطنيًا للناس، أم ورقة عابرة في يد الآخرين؟… نواصل

