مقالات الرأي

حين يضيع الطريق تتكلم الروح

قهوتي || شذى عبد الله طه

بقلم: شذى عبدالله طه زين الدين

 

يقولون إن الضياع شعور مُربك، لكنني أراه أحيانًا نعمة متخفية.

فليس كل من تاه قد خسر الطريق، بل ربما وجد نفسه على مفرق جديد لم يكن ليراه لو سار بخط مستقيم وواثق دومًا.

 

هناك أوقات يصبح فيها الداخل صاخبًا إلى حد يصعب وصفه: مشاعر متداخلة، رغبات تتنازع القلب، وأصوات متناقضة تجعل الروح كغرفة مزدحمة بالأثاث، لا مكان فيها حتى لكرسي صغير آخر.

عندها نشعر أننا نلهث بلا اتجاه، نحمل حقائب ممتلئة بأحلام لم تُفتح بعد، وبخيبات لم نضعها في مكانها المناسب.

 

لكن التيه لا يعني أننا بلا قيمة أو بلا هدف.

بالعكس، هو الدليل الأصدق على أن أرواحنا تبحث عما يليق بها، وترفض أن تعيش على الهامش أو أن تكتفي بما لا يُشبع عطشها.

إنه صرخة صامتة تقول: “أريد ما يخصني أنا، لا ما يفرضه الآخرون عليّ.”

 

ومع كل ارتباك، يولد داخلك وعي جديد.

قد تكتشف أن بعض الأبواب التي طرقتها مرارًا لم تُفتح لأنها لم تُخلق لك أصلًا.

وقد تدرك أن بعض الطرق المزدحمة لم تكن إلا طرقًا نحو استنزافك.

ومن بين الحيرة والضباب، يظهر فجأة ممر صغير لا يراه غيرك، لكنه الطريق الذي يخصك وحدك.

 

أحيانًا يكون الضياع أصدق معلم.

هو الذي يعلّمك الإصغاء لهمسات قلبك حين تصمت كل الأصوات الأخرى.

هو الذي يريك أن الهدوء ليس ضعفًا، وأن التباطؤ ليس تراجعًا، بل تمهيد لصعود مختلف.

 

ولعل أعظم ما في لحظات التيه أنها تمنحك الفرصة لترى حقيقتك دون أقنعة:

ترى ضعفك بلا خوف، وحيرتك بلا خجل، واحتياجك بلا مواربة.

وحين تقف أمام نفسك بهذا الوضوح، ستكتشف أن بداخلك قوة لم تكن تعرفها.

 

فالطريق لا ينتهي حين نضيع، بل يبدأ من جديد.

وفي لحظة صدق عابرة، قد تكتشف أن الضياع لم يكن سوى البوصلة التي قادتك نحو ذاتك.

 

حتى حين يضيع الطريق، تظل الروح تعرف وجهتها… فقط نحتاج أن نصغي إليها جيدًا.

 

فماذا عنكم؟

هل مررتم بلحظة تيه تحولت فجأة إلى بداية طريق جديد؟

 

#قهوتي_أحب_شربها_باردة

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى