
بقلم: محمد العاقب
شهدت حاضرة ولاية سنار مدينة سنجة، ظهر أمس الثلاثاء فعالية فكرية وقانونية بارزة تمثلت في ندوة كبرى نظمتها اللجنة القانونية بلجنة الاستنفار والمقاومة الشعبية بالولاية، تحت عنوان (التدخلات الخارجية وآثارها على سيادة السودان). وتأتي هذه الندوة في إطار حراك تثقيفي مكثف يهدف إلى تحصين الوعي الوطني لمواجهة التحديات الراهنة التي تهدد كيان الدولة ووحدتها.
خبراء ومحاور استراتيجية
استضافت قاعة المجلس التشريعي نخبة من الخبراء هم د.ناجي إبراهيم عثمان الخبير في الدراسات الاستراتيجية، والخبير الاقتصادي الدكتور بشير الصادق، والخبير في مجال الإعلام الدكتور السماني أحمد محمد آدم، الذين فككوا خيوط الأجندات الخارجية التي تستهدف السودان عبر محاور رئيسية تمثلت في التدخل السياسي والدبلوماسي واستغلاله للضغط على القرار الوطني، التدخل الاقتصادي والعقوبات كأداة لإخضاع السيادة، المحور الإعلامي ودوره في استهداف صورة السودان على الساحة الدولية.
دعوات لمجابهة التحديات وإحباط الأجندات
في مستهل الندوة أكد رئيس اللجنة القانونية بالمقاومة الشعبية د. خالد بشرى، أن العمل التثقيفي للجنة يتصاعد بعد الفراغ من جزء من العمليات القتالية، مشددًا على أن الهدف الأساسي هو ترويج الوعي الفكري لتمكين المواطنين من مجابهة التحديات الماثلة، متمنيًا النصر والتوفيق للقوات المسلحة في معركتها الوطنية.
من جانبه نبه رئيس الجلسة عمار عبد الباسط إلى أن التدخلات الخارجية تجاوزت البعد السياسي لتشمل الجانب الاقتصادي، مؤكدًا أنها تسعى لخدمة أجندة محددة هدفها خلق الفتنة والبلبلة وإجهاض الحلول الوطنية الأصيلة التي يقودها أبناء السودان.
التدخل السياسي: استهداف استراتيجي للكيان السوداني
سلط د. ناجي إبراهيم عثمان الضوء على المحور السياسي واصفًا المرحلة الحالية بأنها مفصلية ومحاطة بتجاذبات سياسية وأمنية وعسكرية، عازياً ذلك إلى الأهمية الجيواستراتيجية لموقع السودان.
وقدم د. ناجي رؤية تاريخية حادة مشددًا على أن التدخلات الخارجية ليست وليدة اليوم بل بدأت قبل الاستقلال وأن ما حدث من صناعة الأنظمة بعد الاستقلال، وذكر أمثلة مثل ثورات ديسمبر وأكتوبر وفرض الحكم الذاتي للجنوب واتفاقية نيفاشا وقضية المحكمة الجنائية، كلها تشكل انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية، معتبرًا إياها خطوات في إعداد لتقسيم السودان.
وفي مواجهة هذا التحدي الوجودي والحضاري طالب د. ناجي بضرورة إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، بما في ذلك إنشاء مراكز للتخطيط الاستراتيجي، وبناء جيش وطني حديث وقوي، وتبني نظرية حكم سياسي تعكس مصالح المواطنين، إلى جانب إعادة تصميم مناهج التعليم وإعادة تأسيس الخدمة المدنية ومحاربة الفساد.
سلاح الاقتصاد والإعلام المضلل
في المحور الاقتصادي قدم الخبير د. بشير الصادق أبوسبيب تحليلًا لمسببات المشاكل الاقتصادية مؤكدًا أن التدخلات الاقتصادية والعقوبات تُستخدم كـ “ورقة ضغط” لتحقيق أهداف استراتيجية. وأشار إلى أن العقوبات رغم تنوعها لم تنجح في خلخلة النسيج الاجتماعي السوداني، لكنها أدت إلى تراجع نمو الإيرادات وتدهور سعر الصرف وتوقف أنشطة المصانع والتجارة، فضلًا عن هجرة الكفاءات وارتفاع البطالة والخلل في الأمن الغذائي. ودعا د. بشير إلى هيكلة سياسية ودعم للقطاع الخاص لتحقيق الاستقرار المنشود.
أما في المحور الإعلامي، فتناول د. السماني محمد آدم دور الإعلام الموجه الذي يسعى لتشويه صورة السودان وتقديمه كدولة منهارة. وشدد على الحصانة الوطنية من خلال تقوية الرسالة الإعلامية السودانية لمواجهة التأثير الهائل للإعلام في تشكيل الرأي العام. واقترح لمواجهة هذا التضليل إنشاء مرصد وطني لرصد وتحليل الإعلام الأجنبي، وتعزيز الإعلام الوطني المهني والمحلي، وإنشاء منصات مشتركة مع المنصات الدولية لتصحيح الصورة المغلوطة للسودان.
وكان رئيس اللجنة القانونية قد أكد في كلمته أم هذه الندوات التثقيفية ستتوالى أسبوعيًا في محليات ولاية سنار، في إطار خطة شاملة لتعميق الوعي المجتمعي بالقضايا المصيرية التي تمس هيبة الدولة والسيادة الوطنية.
الإعلام: السلاح الأقوى لحماية السيادة
تأكيدًا على ما طرحته الندوة القيمة تبرز أهمية الإعلام باعتباره خط الدفاع الأول والأخير في معركة السيادة الوطنية وليس مجرد محور ثانوي. فالإعلام هو الأداة التي تُحصّن الوعي الوطني ضد التدخلات السياسية وتُفند الأكاذيب الاقتصادية التي تستهدف العملة الوطنية كما أنه الأداة الوحيدة القادرة على تشكيل رأي عام مضاد للفتنة والتقسيم.
لذلك فإن الدعوة لإنشاء مرصد وطني وتعزيز الإعلام المهني ضرورة استراتيجية قصوى لضمان أن تبقى الرؤية الوطنية هي السائدة، وأن تُجهَض محاولات تشويه الصورة والسرديات الخارجية قبل أن تصل إلى عقول المواطنين.في زمن الحروب الهجينة القلم والمنصة لا يقلان أهمية عن السلاح في حماية كيان الدولة.


