
بقلم/ شذى عبد الله طه زين الدين
في المدن الكبيرة، لا شيء يشبه صوت خطواتك على الممشى العريض في الصباح. الممشى ذاته، رغم ازدحامه، يمنحك مساحة صغيرة للتفكير… مساحة خارج صخب الحياة، تشبه لحظة ترتّب فيها روحك قبل أن ترتّب يومك. تمشي وسط الناس، وكل شخص يحمل قصته وحده: من يهرول إلى عمله، من يتثاءب في انتظار قهوته، ومن يعبر الطريق بملامح أنهكها الليل. لكن وسط هذا الزحام اللامتناهي، يحدث أحيانًا شيء لا يمكن تجاهله.
يظهر شخص مختلف.
ليس جمالًا ملفتًا ولا حضورًا صاخبًا… إنما ذلك الإحساس الغامض الذي يزورك قبل أن تفهمه. الإحساس بأن هذا الشخص تحديدًا “على مقام أمنياتك”. كأنه نسخة رقيقة من خيال راودك يومًا، دون أن تتجرأ على الاعتراف به. شخص يشبه ما تمنّيته في داخلك من غير ما تتصور أنك ستجده أمامك يومًا.
تتفاجأ بأن ملامحه مألوفة، وصوته مريح، وطريقة حديثه لا تُرهقك. حتى صمته له نبرة مختلفة. تشعر وكأنك تعرفه من قبل، وأن بينكما جسرًا خفيًا لم تبنيه أنت، ولم يبنه هو، لكنه موجود بطريقة لا تُفسَّر. تلتفت لنبرة ضحكته، لكتفه الذي يبدو مهيأ لسند رأسك في لحظة تعب، لذوقه الموسيقي القريب لذوقك، لثقافته التي لا تستعرض نفسها، إنما تنساب في حديثه بتواضع. تعجب بخفته حين يتحدث، وبهدوئه حين تسكت، وبقدرته على حمل عصبيتك كأنها مناخه الطبيعي.
ومع كل لحظة تعرف فيها هذا الإنسان أكثر، تسأل نفسك سؤالًا لا تنطق به:
كيف لشخص يظهر بهذه الدقة؟
كيف يأتي أحدهم وكأنه آتٍ من قائمة أمنياتك، بكل تفاصيلها الصغيرة التي ظننتها غير مهمة؟
تتذكر حينها أن العلاقات ليست دائمًا ضوضاء، وليست دائمًا صراعًا أو اختبارًا. أحيانًا تأتيك الحياة بشخص يعيد إليك ثقتك في الأشياء البسيطة: في حديث عادي يمس قلبك، في ضحكة صافية، في كلمة تُقال في وقتها المناسب، في مساحة من الطمأنينة لم تطلبها. شخص لا يعِد بالكثير، لكنه يمنحك الكثير بمجرد وجوده.
لكن…
وجود شخص بهذه المواصفات لا يعني أنه “الحل النهائي لكل شيء”. قد يكون علامة، أو رسالة، أو وقفة قصيرة في طريقك. وقد يكون بداية علاقة ناضجة، أو درسًا يفهمك قيمة نفسك، أو لحظة صادقة وسط ألف لحظة مزيفة. المهم هو كيف تتعامل مع ظهوره: هل تراه فرصة حقيقية؟ أم تتركه يمضي لأنك تحب التعود على الوحدة؟
العلاقات تحتاج أكثر من التشابه، وأكثر من دفء الحضور. تحتاج رغبة صادقة في الاستمرار، واستعدادًا لمواجهة الواقع بكل اختلافاته. تحتاج نضجًا، ووقتًا، ووضوحًا. فالتوافق وحده لا يصنع علاقة، لكنه يفتح الباب لها.
ومهما طال الطريق على ذلك الممشى العريض، سيظل ظهور شخص يشبه أمنياتك حدثًا لا يُنسى. لأنك في لحظة ما، ستتساءل بصدق:
هل يكفي أن يأتي الإنسان بمواصفات أحلامك… أم أن البقاء يحتاج قلبًا جاهزًا للحب، لا مجرد أمنية جميلة؟
قهوتي أحب شربها باردة.

