مقالات الرأي

صباحات سودانية

قهوتي || شذى عبد الله طه

بقلم: شذى عبدالله طه زين الدين

في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتضيع فيه الحقائق بين دخان الحرب وغبار الأيام، تظل الصباحات السودانية تحمل خصوصيتها التي لا تشبه أحدًا.
ذلك النور الذي يتسلل خافتًا من بين البيوت الطينية، وذلك النسيم المحمّل برائحة الجبنة وعبق البنّ، وتلك الوجوه التي تُصرّ كل يومٍ على أن تبتسم رغم قسوة الواقع…
هناك، في تفاصيل البساطة والعناد الجميل، يبدأ السودان يومه، كأنه يقول للعالم: “ما زلتُ هنا، وما زلتُ قادرًا على النهوض.”
في صباحات السودان، ثمة ما لا يُشبه أحدًا ولا يُشبهه أحد.
رائحة الطين بعد المطر، وعبق البنّ المحمّص على الجَبنة، وضوء الشمس وهو يتسلل بخجلٍ عبر نوافذٍ من الزنك والأمل.
تستيقظ البلاد على ضجيج الحياة البسيطة، لا على رفاه المدن الكبرى،
بل على تفاصيل صغيرة تُعيد للروح اتزانها:
امرأة تحمل الماء على رأسها، طفلٌ يركض خلف حلمٍ في ساحة ترابية،
رجلٌ يرفع يده بالتحية ويقول: صباح الخير يا زول.
هكذا تبدأ صباحاتنا… دافئة رغم البرد، مطمئنة رغم الفوضى،
كأن في جينات هذا الشعب خريطة خفية للصبر،
وكأن في دمه مزيجٌ عجيب من الكبرياء والمودة، لا يسمح له أن ينكسر مهما اشتدّت عليه الأزمات.
في السودان، لا شيء يقف طويلاً أمام إرادة الناس.
قد يطول الليل، وقد تضيق الأرزاق،
لكن هناك دومًا خيطٌ من ضوءٍ يربطنا بالحياة.
في كل بيتٍ حكاية فخرٍ تُروى،
وفي كل وجهٍ قصة نضالٍ صامت،
وفي كل زاويةٍ ذاكرةٌ لأجدادٍ ساروا حفاةً على الطريق ذاته،
فأورثونا القدرة على الاحتمال، والإيمان بأن الوطن لا يُترك مهما ضاق بنا.
حديث الصباح هنا ليس ترفًا صحفيًا ولا مقال رأيٍ عابر،
إنه مرآة لوطنٍ يتشبث بالحياة كما تتشبث الجذور بالأرض.
حين تضحك بائعة الكسرة وهي تساوم الزبون، فذاك شكلٌ من أشكال المقاومة.
وحين يجتمع الشباب في ظلّ شجرةٍ يتحدثون عن الغد، فذاك فعلُ بناءٍ لا يقل قيمة عن تشييد مدينة.
نحن شعبٌ لم يتعلّم فقط كيف يعيش، بل كيف ينهض بعد كل سقوط.
تعلمنا أن نغسل الجراح بالمحبة، وأن نردّ على القسوة بالابتسامة،
وأن نحمل الوطن في صدورنا حتى لو ضاق بنا صدر الوطن نفسه.
اليوم، السودان لا يحتاج إلى خطاباتٍ جديدة بقدر ما يحتاج إلى وعيٍ جديد.
وعيٍ بأن التنوّع ليس نقمة، بل ثروة.
وأن اختلاف الألوان واللهجات والرطانات ما هو إلا دليل على اتساع القلب لا ضيقه.
الشرق والغرب، الشمال والجنوب — كلها ملامح وجهٍ واحدٍ جميلٍ اسمه السودان.
فلنستيقظ من غبار الخلافات،
ولنمدّ أيدينا لبعضنا كما كانت أيدي أجدادنا حين بنوا هذه الأرض بالتراب والعرق.
لنؤمن أن هذا البلد لن يُبنى إلا بأهله، وأن كل صباحٍ لا يبدأ بالأمل، هو نهارٌ ناقص.
صباحات السودان باقية،
حتى إن غابت الكهرباء، أو انقطع الخبز، أو ضاقت الطرق.
ففي هذا الوطن نبضٌ لا يموت،
نبضٌ يردد كل فجر:
“ما زلنا هنا، وما زال فينا ما يستحق الحياة.”
صباح الخير يا وطني…
يا أرض الكرامة والدهشة والعناد الجميل.
صباح الخير يا من تعلّمتَ أن تقف شامخًا في وجه الريح،
يا من علمتَ العالم أن الكبرياء لا يُشترى،
وأن الأوطان التي تنبت في القلوب لا تموت.
ولعل أجمل ما في صباحات السودان أنها تُخفي بين رشفات قهوة الجبنة حزنًا ناعمًا يشبه الحنين،
لكنها في الوقت ذاته تزرع في القلب طمأنينة لا تزول.
فبين رائحة البنّ وصوت الدعاء، تتصالح الروح مع الوطن وتغفر له كل ما كان.

وإن ضاقت بنا الدروب، يكفينا أن نردد كما غنّى وردي
بلادي انا بلاد ناسا تسامح دي الارض الطيبة دي بلادنا الحنينية
فلا نامت أعين الحزن،
ولا انطفأ هذا النور المتقد في صدورنا.
سنظل نكتب صباحاتنا بالحب،
ونحمل السودان فينا أينما كنا،
لأننا ببساطة… سودانيين، وكفى.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى