
بقلم/ عزمي علي بلة
(كاتب سوداني وروائي وقاص مقيم بالإمارات)
تخرج من خبايا الذاكرة أحيانا أشياء تجعلنا نقف عندها ونتأملها ونقرؤها بطرق مختلفة في كل مرة.
يحضرني بمناسبة العيد السعيد سفير الأغنية العراقية ناظم الغزالي المتوفي في أكتوبر 1963 وهو يصدح برائعة إليا أبو ماضي بعد أن يرفع صاحب المقهى العتيق في بغداد صوت الراديو أكراما لنا ولمعرفته بحبي لأغنيات ناظم الغزالي وهو يرد التحية الله بالخير، تفضل يا وردة
أي شيء في العيد أهدي إليك يا ملاكي وكل شيء لديك
أسِواراً أم دملجا من نضارٍ لا أحب القيود في معصميك
أم خمورا وليس في الأرض خمر كالتي تسكبين من عينيك
أم ورودا والورد أجمله عندي الذي قد نشقتُ من خديك
أم عقيقا كمهجتي يتلظى والعقيق الثمين في شفتيك
ليس عندي شيء أعز من الروح وروحي مرهونة في يديك
فبمناسبة الهدايا وتحديدا هدايا الورد قادتني الذاكرة لتأمل موضوع اقتصاديات الورد فهو مشروع يناسبنا ويمكننا أن ننجح فيه كبلد، هذا النشاط الذي بلغ حجم تجارته الدولية أكثر من عشرة مليارات ونصف دولار سنة 2023 ويتوقع أن ينمو ليصل 50 مليار دولار بحلول سنة 2030 وتسيطر عليه هولندا متحكمة في 50% من حجم الصادرات، وتأتي خلفها كولمبيا والإكوادور التي تهتم بالأصناف النادرة. ونجحت دولتان أفريقيتان في دخول حلبة المنافسة فيه واحتلال مراكز ضمن الخمسة الكبار في سوق الورود هما كينيا وأثيوبيا على التوالي.
قد يستهين البعض بموضوع كهذا لكن لو تمكنا من دراسة ما تقوم به كينيا على سبيل المثال وحجم النشاط وعدد طائرات الشحن التي تقلع من مطاراتها يوميا متجهة لأروبا سنعرف أن هذه حقول دولارات وليس زراعة ورد فقط. خلونا نتكلم بلغة الأرقام كي نقرب الصورة نسبيا.
كينيا تصدر ورود بقيمة 700 مليون دولار سنويا قابلة للزيادة كلما ازدادت خبراتهم وتنامى حجم السوق. بطبيعة الحال الورود متنوعة ودرجة مقاومتها تختلف من نوع إلى نوع، وتبعا لذلك تختلف أسعارها كما تختلف الأسعار في المواسم والاحتفالات، فمثلا الورد الأحمر الذي يباع غصنه الواحد بعد التغليف ببلاستك شفاف يباع بين إثنين أو ثلاثة دولار ويباع بالمعدل بوكيه الورد الأحمر المتوسط بين 60 إلى 80 دولار، هذه ابسط الأسعار وكما قلت الأمر يختلف حسب التشكيلة والمناسبة وهذا موضوع يعرفه جيدا المهتمون بتصفيف الورد. وقد يصل سعر البوكيه لأكثر من ثلاثة ملاين دولار كما في أسعار وردة جوليت بلونها المشمشي وهي بوكية الزفاف الأكثر رواجا في الولايات المتحدة. طبعا هذه أسعار البيع بالمفرد وهذا سوق يعرفه أصحابه جيدا ولكن ما يهمني هنا هو كيف نصبح أحد موردي الورود للأسواق العالمية كما يفعل جيراننا. فهناك ميزة تنافسية نتمتع بها وهي المناخ حيث يمكننا زراعة الورود في مواسم مختلفة عندما تكون حقول أوربا مغطاة بالثلوج، فاذا كان غصن الورد الأحمر يباع ب 0.3 دولار سعر الجملة على أدنى تقدير فيمكنك أن تتخيل حجم الأغصان التي يمكن إنتاجها من فدان واحد وهذا شأن يعرفه أهل الزراعة وخبراءها وهم كثر في بلادي. يعني لو زرعنا في كل متر مربع نبتة ورد جوري وهو أقل الأنواع أسعارا فيمكننا أن نحصل على 4200 نبتة في الفدان الواحد علما أن كل نبتة يمكنها إنتاج من 25 إلى 30 غصن وردة يعني نحن نتحدث عن 105000 وردة بالحد الأدنى 25 وردة للنبتة وهذا يعني 31,500 دولار بسعر الجملة علما أن زراعته غير مكلفة مقارنة بإنتاج الفدان من الذرة والذي لا يتجاوز ال 1500 دولار في أحسن الأحوال وهكذا قس. بطبيعة الحال نحتاج إلى تحديد تكلفة زراعة الفدان الواحد من الورود وكذلك الذرة للمقارنة، علما أن المقارنة معدومة وحتى لو استخدمنا مخلفات إنتاج الذرة كأعلاف لن تصل ما يمكن أن يدره فدان الورود من إيرادات. ويمكن زراعتها في البيوت والحقول الصغيرة قبل المشروعات الكبيرة. فقط نحتاج لدراسة تجارب جيراننا وكيفية تنظيم عملية التصدير فهذا أمر لا ينفع معه طريقتنا في تقديم منتجاتنا، هذا ورد ويحتاج إلى مؤسسة تدرس أنواعه وطرق تعقيمه وجودة تصديره وتدرس جداول المناسبات وفقا لثقافات الشعوب التي نبيعها الورد وطرق التعبئة والتغليف ثم الأسواق المناسبة سواء أوروبا الغربية أو الشرقية أو دول الخليج العربي واليابان وغيرها من دول العالم. فوجود مؤسسة مركزية نزيهة سيسهل كثيرا التنسيق مع صغار المزارعين والتنسيق مع شركات الشحن الجوي والعمليات اللوجستية المتكاملة، والتنسيق مع جميع الشركاء وأصحاب المصلحة. فنحن نحتاج لنتعامل بطريقة مختلفة ونفكر خارج الصندوق، وسيبك من نظرية هذا ما وجدنا عليه آباءنا. يعني بالعربي الفصيح مناطق مثل أبو كرشولة وكادقلي وكوستي وسنار والدمازين والقضارف وكسلا دي كلها ممكن تنظم فيها عمليات زراعة الورود بأنواعها وبمواسمها سواء كان ذلك بمشروعات صغيرة عبر الري بالتنقيط أو الزراعة المطرية بمساحات واسعة، لتدر لخزينة الدولة ملايين الدولارات وكمان معها فوق للدولارات جمالية للمكان وتطفي البهجة في حياتنا. يعني المزارع تاني كلامه يصبح (فل أبيض عنوان الصفاء، ياسمين نقاء وجمال، لافندر بنفسج هدوء واسترخاء، الزنبق أناقة ونقاء، الجوري الأحمر المخملي رمز الحب، الماغنوليا البنبي المطعم بالأبيض رمز القوة والنبل، النرجس مزيج الأصفر بالأبيض الأمل والتجدد، الأوركيد بالوانها المتنوعة الزرقاء والبنفسجية والبيضاء والاوف وايت فخامة وجاذبية، الكاميليا الياباني متعدد الألوان بنبي وأبيض وبنفسج حب وتقدير، والغاردينيا رمز السعادة بألوانها المتعددة أحمر، أصفر وأبيض)
فبائع الورد حاله كحال حامل المسك أما أن يهديك أو تبتاع منه أو تجد منه ريحا طيبةً..

