مقالات الرأي

ظاهرة (الجيطك).. من الممارسة الخفية إلى السلوك العلني

فايف دبليوز سيرفس

بقلم/ الشيخ عبد الجبار المبارك

أصبحت كلمة ((الجيطك)) من أكثر المصطلحات تداولًا في مناطق التعدين خلال الفترة الأخيرة، وهي تعبير يشير إلى نوع من التحايل والسرقة الخفية داخل مناجم الذهب، حيث يعمد بعض الشباب العاملين إلى إخفاء جرامات من الذهب عن أصحاب الأجهزة والتجار الذين استأمنوهم على العمل والإنتاج.
وتقوم هذه الممارسات عادة أثناء عملية التكسير والاستخلاص، فيقتطع العامل جزءًا يسيرًا من الذهب ثم يخفيه داخل جسده أو أدواته، ليغادر موقع التعدين بعد أيام قليلة وقد جمع مبالغ كبيرة لا يمكن أن يحصل عليها بجهده الطبيعي في سنوات طويلة.
وقد تحوّلت هذه الظاهرة من ممارسة خفية. إلى سلوك معلن، يتباهى به بعض فاعليه في المجالس العامة دون أي مراعاة لحق المالك ولا لوازع ديني أو أخلاقي. بل إن بعض الآباء والأمهات والإخوة أصبحوا على علم بما يجري دون أن يظهر منهم موقفٌ ينصح أو يزجر، مما جعل الكثير من الشباب ينظرون إلى هذا الكسب المحرم على أنه طريق سريع للثراء، فانطلقت موجة من القصص حول من عادوا في أيام قليلة ومعهم سيارات ودراجات نارية(مواتر) وأموال طائلة لا يُعرف لها وجهٌ مشروع.
والخطورة هنا لا تقف عند حدود السرقة الفردية، بل تمتد لتضرب ثقة المجتمع في نفسه، وتُفسد العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وتُدخل النشاط الاقتصادي في دائرة غامضة تشبه الاقتصاد الموازي الذي يقوم على المال غير المشروع. فحين يفقد الإنتاج أمانته ويختل الضمير عند العامل، يتحول العمل نفسه إلى ساحة للاستغلال وتضييع الحقوق، ويصبح رأس المال مترددًا في الاستثمار، ويتحول الشباب من قيمة العمل الشريف إلى جنون الربح السريع ولو على حساب الدين والخلق.
إن هذه الظاهرة لا تمثل جريمة مالية فحسب، بل تمثل انحرافًا تربويًا وأخلاقيًا يهدد مستقبل المجتمع، ويعوّد الأجيال على التساهل في الحرام، ويجعل السرقة سلوكًا عاديًا يروى في المجالس دون حياء. وإن استمرار هذا العبث من غير محاسبة قد يفتح الباب أمام فساد أكبر، ويهيئ المجتمع لعقوبات دنيوية قبل الأخروية، فالله تعالى يمحق المال الحرام ولو كَثُر.
ولأن الخطر بات معلنًا، فإن المسؤولية لم تعد فردية، بل تتطلب تضافر الجهات الرسمية والمجتمعية على حد سواء. في توجيه الشباب وضبط سلوكهم وحماية قيم القرى و أخلاق الشباب
إن المال الحرام وإن بدا سريعًا وسهلًا فهو لا يدوم، ولا يبارك الله فيه، ولا يرفَع صاحبه وإنما يرديه. ولا يقوم مجتمعٌ على السرقة والتفاضل الظالم في الرزق، بل على الأمانة والصدق والعمل الشريف. ووقف هذه الظاهرة اليوم ومحاربتها واجب قبل أن تستفحل غدًا، فتصبح قاعدة بعد أن كانت استثناء، وتتحول من حكايات متفرقة إلى ثقافة عامة تفتك بقيم الناس واقتصادهم .

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى