
بقلم / الطيب مضوي ريحان/المحامي
ليس هذا العنوان تلاعبًا لغويًا، بل توصيفًا دقيقًا لمعركة العصر. فقد ظل سؤال الاستعمار حاضرًا في الفكر العربي بوصفه فعلًا خارجيًا عدوانيًا، بينما غاب السؤال الأخطر: لماذا ينجح؟ هنا تحديدًا تتقاطع أطروحة المفكر الجزائري مالك بن نبي مع تشريح المفكر الإيراني علي شريعتي، لا في تبرئة الاستعمار، بل في فضح شروطه الداخلية.
مالك بن نبي لم يقل يومًا إن الشعوب تحب الاستعمار، بل قال ما هو أوجع: إن الاستعمار لا يدخل إلا حين يجد قابلية. وله عبارته الحاسمة:
«إن الاستعمار ليس عاملًا طارئًا في التاريخ، بل هو نتيجة حتمية لقابلية كامنة في المجتمع المستعمَر.»
بهذه الجملة نقل بن نبي الاستعمار من خانة المؤامرة الخارجية إلى خانة المرض الحضاري الداخلي. فحين يفقد المجتمع فكرته المركزية، ويختل توازنه بين الإنسان والتراب والوقت، يصبح – دون أن يشعر – مهيأً لكل هيمنة.
ولم يكن بن نبي معنِيًا بالاحتلال العسكري وحده، بل بما يسبقه. يقول بوضوح:
«حين يفقد المجتمع فكرته الأساسية، يصبح قابلًا لكل فكرة دخيلة، مهما كانت تافهة أو مدمِّرة.»
هنا لا يعود الغازي هو المشكلة الأولى، بل الفراغ الذي سبقه. فالفراغ لا يبقى فراغًا؛ إما أن تملأه فكرة وطنية، أو تملؤه فكرة أجنبية.
وفي ربطٍ مباشر بين الداخل والخارج، يكتب بن نبي:
«الاستعمار نتيجة طبيعية للاستبداد، لأن كليهما يقوم على تعطيل الإنسان.»
فالاستبداد لا يخلق فقط الخوف، بل يخلق إنسانًا عاجزًا عن الدفاع عن دولته، ثم يُفاجأ هذا الإنسان بأن دولته لم تعد قادرة على الدفاع عنه.
لكن إن كان بن نبي قد شرح شرط القابلية، فإن علي شريعتي شرح آلية التشغيل. هنا يدخل مفهوم الاستحمار لا بوصفه شتيمة، بل كمصطلح تحليلي بالغ الدقة. شريعتي لا يتحدث عن احتلال الأرض، بل عن احتلال الوعي. يقول:
«الاستحمار هو أن تُسلب الأمة وعيها، ثم تُترك حرة في أن تختار قيودها بنفسها.»
بهذا المعنى، يصبح أخطر أشكال القهر هو ذلك الذي يُمارَس باسم الحرية.
ويضع شريعتي مقارنة فاضحة بين المفهومين:
«الاستعمار يحتل الأرض، أما الاستحمار فيحتل العقل… والاستحمار هو الذي يمهِّد الطريق للاستعمار.»
فالاحتلال العسكري قد يُواجَه بالمقاومة، أما احتلال الوعي فيُواجَه بالتصفيق.
ولذلك لم يكن شريعتي قاسيًا على الغزاة بقدر قسوته على النخب المحلية، حين قال عبارته الشهيرة:
«أخطر أعداء الشعوب ليسوا الغزاة، بل المفسرون الرسميون للجهل.»
وهم أولئك الذين يجمّلون الهزيمة، ويحوّلون التبعية إلى عقلانية، والتدخل الأجنبي إلى “حل واقعي”.
من هنا نفهم لماذا فرح بعض العراقيين بدخول القوات الأمريكية إلى بغداد عام 2003. لم يكن ذلك حبًا في الاحتلال، بل نتيجة تراكم طويل من الاستبداد، وانسداد الأفق، واستحمار نخبوي صوّر الغزو بوصفه خلاصًا. ثم لم تمضِ سنوات حتى اكتشف العراقيون أن من يفرح بدخول الدبابة، سيبكي طويلًا تحت جنازيرها.
والأمر ذاته يتكرر – مع اختلاف السياق – في فنزويلا، حيث فرحت قطاعات محدودة بمحاولات اختطاف رئيسهم الشرعي نيكولاس مادورو، لا لأن التدخل الأجنبي رحيم، بل لأن الوعي أُنهِك بالعقوبات والحصار والإعلام الموجَّه. وهنا تتحقق معادلة شريعتي كاملة: حين يعجز الخارج عن إسقاط الدولة بالقوة، يُسقطها بأيدي أبنائها.
أما السودان، فالمفارقة فيه أعمق. هو من الشعوب التي أثبتت تاريخيًا أنها غير قابلة للاستعمار المباشر، لكنها – كما قيل بدقة – سهلة الاستحمار. فالخطر لم يكن يومًا في الجيوش الأجنبية، بل في المعارضة المصنوعة، تلك التي تتحول إلى حصان طروادة، تطلب الحكم ولو تحت راية حاكم أجنبي، وتشرعن العقوبات والتدويل والتدخل باسم الديمقراطية.
وهنا يجب التمييز بوضوح قانوني وأخلاقي بين نوعين من المعارضة. معارضة وطنية تختلف مع السلطة لكنها ترفض المساس بالسيادة، وتعارض الاستبداد دون أن تستدعي المحتل. ومعارضة وظيفية لا تملك مشروعًا وطنيًا، بل مشروع وكالة، لا يجمعها مع شعبها إلا اللغة، بينما يجمعها مع الخارج التمويل والأجندة.
الخلاصة التي يلتقي عندها مالك بن نبي وعلي شريعتي واحدة:
الاستعمار لا يبدأ من الحدود، بل من العقول.
ومن لا يُهزم عسكريًا قد يُهزم ذهنيًا.
ومن لا يُستعمَر بالقوة قد يُستَحمَر بالوهم.
فليست كل الشعوب قابلة للاستعمار،
لكن كثيرًا من النخب قابلة للاستحمار…
وتلك هي الكارثة الحقيقية….
الطيب مضوي ريحان/المحامي