Uncategorizedأحمد يوسف التاىمقالات الرأي

قراءة في تصريحات روبيو…المغزى والتوقيت والدلالات

نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

(1)

(أمريكا اقتنعت تمامًا بأن قوات الدعم السريع ،منظمة إرهابية وطالبت الإمارات بالكف عن دعمها، والآن بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي نقدر نقول إنو أمريكا قررت الوقوف في صفنا)…الكلمات بين القوسين اقتحمت أُذني عبر الهاتف من صديق سياسي شهير، وهو يطلب مني كتابة مقال أو تحليل يؤكد انتصار الدبلوماسية السودانية التي استطاعت في رأيه أن تكشف سوءات الإمارات وتجردها من كل ثياب الفضيلة وتضعها أمام العالم عارية لم تجد حتى ورق التوت الذي تستر به عورتها.. وفي اعتقاده أيضًا أن الدبلوماسية السودانية استطاعت أن تجبر الإدارة الأمريكية ووزير خارجيتها على التنصل عن الإمارات وزجرها وتحميلها مسؤولية الموت والدمار وشلالات الدماء المتدفقة من أوردة السودانيين، وكذا المجازر والتصفيات والإبادة الجماعية على أساس عرقي، أو هذا مافهمه على الأقل من تصريحات وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو..

والواقع أن الدبلوماسية السودانية لم تفعل شيئًا يذكر ولم تقم بالدور المنوط بها، بل أن قوات الدعم السريع ومرتزقتهم هم من أحرجوا أمريكا بفظائعهم وتوثيق تلك الفظائع وتقديمها للعالم، ما أجبرها لإعلان موقفها (المخادع) الذي نضعه في هذا المقال بين يدي القاريء بعد تشريحه..

(2)

الناظر لتصريحات وير خارجية أمريكا روبيو تستوقفه عدة نقاط، من حيث التوقيت والمغزى والظروف المحيطة بها.. وبالطبع إذا أردنا قراءة تلك التصريحات ومعرفة إتجاهاتها وأهدافها لابد أن نأخذ في الإعتبار الظروف المحيطة بهذا الموقف الجديد، وكذلك التوقيت الذي أُطلقت فيه، وكذا المغزى والدلالات المستخلصة لهذا الموقف..

فمن حيث التوقيت أن تصريحات روبيو جاءت في توقيت حساس للغاية حيث تزامنت مع الفظائع التي ارتكبها المتمردون في الفاشر، والمجازر وحالات الإبادة العرقية على النحو الذي تحدثت عنه المنظمات الدولية والإعلام الغربي، لذلك كان لابد لصوت أمريكا الرسمي أن يتسق مع الموقف الدولي العام المستهجِن لجرائم المتمردين، ولايشذ عنه..

ومن حيث الظروف المحيطة بتصريحات الوزير الأمريكي، فإن كل الظروف والمعطيات وقرائن الأحول كانت ضد (المتهم) – قوات الدعم السريع المتمردة – حيث وثق جنودها وعناصرها المختلفة لجرائمهم البشعة عبر فيديوهات ما يعني أن الصمت عن إدانة هذه الجرائم هو التواطوء بعينة ، لذلك كان لابد أن تعلن أمريكا موقفًا إعلاميًا يستهدف الرأي العام العالمي ..

أما من حيث المغزى والدلالات، فإن هذا الموقف الذي (خدع) كثيرًا من السودانيين إنما يمهد الطريق للخطوة الأمريكية القادمة وهي خطوة تُقرأ في سياق تحركات الرباعية والهدنة الإنسانية، فكان لابد من عملية تخدير للجسد السوداني المراد تمزيقه..

(3)

أما مطالبة الولايات المتحدة – عبر وزير خارجيتها – لحكومة أبوظبي تلميحًا أو تصريحًا بالكف عن دعم التمرد في السودان ، هو في تقديري رسالة المقصود منها الرأي العام الأمريكي، ومنظمات المجتمع المدني وخاصة الكونغرس ومجلس الشيوخ لطالما انبرى نفرٌ من تلك المؤسسات التشريعية الأمريكية لمعارضة صفقات السلاح بين الإمارات وإدارة ترامب ، كما أن هذه “الملاطفة” و”التحانيس” الأمريكية لأبي ظبي لاتنفصل عن سياق إقحام ترتيبات الرباعية بوصف الإمارات أحد أضلاعها الأربعة..خاصة وأن هذه المطالبة الأمريكية لها جاءت بعد تحفظات الخرطوم على وساطة الإمارات، ومطالبة أمريكا بزجرها..

(4)

إذن وبناءً على ما تقدم، وتأسيسًا على أهداف المشروع الأمريكي في السودان، والصراع الدولي القائم على الحلبة السودانية، وماراثون السباق العالمي على أرض السودان والموارد التي تزخر بها…بناءً على كل ذلك يمكن القول أن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت تخادع السودانيين، لإزاحة أي نفوذ دولي آخر خاصة النفوذ الروسي، والتركي ، ولاتلقي بالًا لاستقرار السودان ولا أمنه القومي ولا معاناة شعبه، بقدر ما أنها تحرص ليكون السودان بؤرة ساخنة للنزاعات والحروب الأهلية، لأن هذا هو السبيل الوحيد لبلوغ اهدافها وإنجاح مشروعها في السودان، ولعل الدليل على زعمي هذا هو أن الإدارة الأمريكية إذا كانت جادة في إيقاف الحرب، واستقرار السودان، لأوقفت تدفق السلاح لقوات الدعم السريع منذ وقت مبكر سواءً أكان ذلك السلاح الذي كان يصل التمرد بصورة مباشرة من الإمارات أو بصورة غير مباشرة من أمريكا..

لكن الواقع يشير إلى أن أهداف المشروع الأمريكي في السودان أخبث مما نظن ونتوهم..ولعل المتابع للسياسة الأمريكية في السودان منذ العام 1983 يدرك بكل بساطة أن أمريكا لاتريد استقرارًا للسودان ، وأي تحرك تقوم به في بلادنا هو لعزل نفوذ القوى الدولية المنافسة بغرض حماية مصالحها في السودان بعد وضع موارد البلاد تحت (إبطها) سواء عبر (رجالها) في السودان، أو القوى الإقليمية المتحالفة معها، وإن شاء الله سنفرد مقالًا لتناول رجال أمريكا في السودان عبر حقب مختلفة منذ ثمانينات القرن الماضي وإلى يومنا هذا ، منهم وزراء، وسياسيين وإعلاميين وضباط أمن.. الخ …

لكن ومع ذلك فإن السياسة تقتضي الترحيب بأي جهد إنساني وأي تحرك لأجل السلام والاستقرار وإن كان يستبطن شرًا ، لأن الوعي بالشر وفهم أهدافه سيُبطل مفعوله ولن يصل إلى غاياته،بل يمكن إستدراج أصحاب الأجندة الخبيثة لكشفها وفضحها وإبطالها بدلًا عن النأي عنهم بالمرة…

اللهم هذا قسمي فيما املك..

نبضة اخيرة:

ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى