
(1)
لو أن الله تعالى وهب أحدنا طاقةً خصبةً من الخيال سيجد نفسه عاجزاً عن تخيُّل حالة الشد والجذب والضغط التي يعيشها رئيس وزراء السودان الجديد د. كامل إدريس.. وبخيالي القاصر ،أراه يجثو على ركبتيه حائراً متنازعاً بين هؤلاء وهؤلاء وأولئك وهو يستقبل (النصائح والوصايا المبطنة) والتوصيات (المفخخة) قبيل تشكيل الحكومة فكل جهة تريد ان تحتضن رئيس بلاحاضنة سياسية..
وبعيداً عن المنطق والعدل والمعقولية ومصلحة الدولة تريد منه قوى سياسية أدمنت الفشل والصراع القذر أن يحقق من خلال تشكيل حكومته الجديدة أهدافها ويلبي رغباتها الخاصة وأهوائها الذاتية ويمرر أجندتها ليتماهى معها في كل شيء.. وبذلك أعني كل القوى السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار..
وبالمقابل هناك قادة المؤسسة العسكرية بالمجلس السيادي بما لهم من مكاسب في تحرير البلاد من قبضة التمرد الغاشم، يريدون من كامل إدريس أن يعزف نفس “السيموفونية” التي يعزفونها، لايزيغ عنها فيحترق ولايخرج عن الخط المرسوم، فيذهب من حيث أتى، فالمطلوب منه ان يتعلم من “موت الضبع “وإلا فمصير “حمدوك” ينتظره ،باعتبار أن الجهة التي أتت به وهي التي بيدها أن تبعده، لأنها الآن بحكم الظرف الماثل هي صاحبة النفوذ الأقوى..
(2)
بعيداً عن المنطق ومتطلبات إنقاذ الوطن وتفكير رجال الدولة وبعيداً عن النظرة الاستراتيجية لمستقبل الدولة، تريد قوى اليمين السوداني أن يتحول كامل إدريس إلى أداة لقمع قوى اليسار والتنكيل بكل (القحاتة) وتأديبهم وتخوينهم وتجريمهم وتعريتهم من كل فضيلة وطنية، وتجريدهم حتى من حق المواطنة والحقوق السياسية والدستورية وجعلهم هم والشيطان الرجيم كتف بكتف وسواء بسواء لافرق بينهما.. يريدون من كامل إدريس ان يعبر عن رغباتهم وزخائم النفس وحظوظها وحسب وكل ذلك في إطار الصراع السياسي المعلوم..
(3)
وفي الضفة الأخرى تريد قوى اليسار من كامل إدريس أن يتحول إلى حية رقطاء تنفث كل سموم الحقد والأذى ونيران الإنتقام في جسد قوى اليمين وخاصة “الكيزان” الخصوم التقليديين لليسار السوداني..
المطلوب “يسارياً” من كامل إدريس أن يجرِّد “الكيزان” وأشياعهم واتباعهم من أموالهم ومن ثياب الفضيلة ويلبسهم مقامع من تهم الفساد ويبعدهم سنين ضوئية ومساحات شاسعة عن أجواء السلطة والحكم، وذلك بقانون العزل الذي اصبح من أكبر مطالب “اليسار”.. وبعيدا عن القانون والانصاف يريد اليسار ممثلا في “صمود” من كامل إدريس أن يصادر اموال ” الاسلاميين” واتباعهم ومن شابههم من القوى السياسية ويودعهم السجون بلا تهم ولامحاكمة، هكذا رغبة وأهواءً وحقداً وإمعانا في الإقصاء والانتقام ممن اصطلح على تسميتهم ” الكيزان”..
(4)
أما قادة المؤسسة العسكرية في المجلس السيادي كما سبقت الإشارة يريدون من كامل إدريس أن يكون مطيعاً … يُؤمر فيطيع، ويُنادى فيستجيب ، ويُطلب منه فيلبي بلا تلكوء.. فهؤلاء وفي ظل الظروف الأمنية الحالية يريدون رئيس وزراء “مسكين”..ليس له حاضنة سياسية “تعكنن” الأمزجة وتعكر الأجواء بأتربة السياسة الناعمة، وتعرقل المسارات واللوب منه معروف كما أشرت..ألم أقل أن كامل إدريس (حالتو) صعبة ولسان حاله يردد مع وردي: سنين وأيام قضيت عمري في لوعة ..دموعي تسيل وليلي طويل…وعايش في مهب الريح براي شمعة..
(5)
وسط كل تلك الرغبات المتناقضة والأجندات المتصارعة أتصور أن كامل إدريس يجثو وحيدا تتقاذفه الأجندات الحزبية والرغبات والطموحات الشخصية المتناقضة… ومن هنا تتعاظم مصيبة الرجل وقبله مصيبه الوطن ..
لذلك لابد من مخرج من هذا الوضع المزعج ..إذن ما الحل.. لتنجو سفينة الوطن من العواصف والأمواج والأعاصير وهي تبحر بلا ربان ماهر وبلا هدى والكتاب منير..
(6)
للخروج من هذا المأذق لابد لكامل إدريس أن يعلن عن أجندة وطنية واضحة منحازة كلياً للوطن والمواطن ..
أجندة هدفها الأول والأخير المواطن وسلامة الوطن وأمنه واستقراره ..أجندة تصب جميعها في معين الشعب السوداني ، ويحميها الشعب السوداني ويلتف حولها ويدافع عنها بقناعة ويقين..أجندة وطنية تجمع ولاتفرق يبشر بها الإعلام الوطني الخالي من الاجندات الحزبية والتخريبية..أجندة تخرج منها قوانين رادعة لكل من يسعى لزعزعة الاستقرار أو يتمرد على الجيش السوداني..قوانين صارمة تحارب مافيا الفساد والمحسوبية والظلم، وتنظم الحياة السياسية وتنهي حالة الفوضى وتبعد الجيش عن السياسة، وترفع الحساسية الأمنية عند كل مواطن وتخرج منها معايير الأداء الحكومي المطلوب والخدمة المدنية الحاذقة..وكل جهة تجد نفسها غير منسجمة مع تلك الأجندات الوطنية يجب أن تكون معزولة بأمر الشعب السوداني..
وحينها سيتحول كل الشعب إلى حاضنة سياسية واجتماعية لكامل إدريس يستقوي به على أصحاب الاجندات الحزبية والطموح الشخصية..اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائما في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

