
بقلم : د. خالد صالح
الإرتفاع الجنوني لمعدلات المياه عبر النيل الأزرق ، كان يجب أن يكون متوقعا من قبل وزارة الري ، في ظل مشروعات إثيوبيا المائية بإنشاء وإفتتاح سد النهضة.
لجأ البعض الي تبرير الإغراق الذي يحدث للسودان ، بأنه فيضان مصنوع ومتعمد من قبل إثيوبيا بإيعاز من الإمارات أو إسرائيل ،
حسنا هذه الفرضية – وان كانت لا توجد شواهد لإثباتها – قد تكون مقبولة وواردة ، فالامارات تناصب السودان العداء وتريد إحراقه ومحاربته بشتى السبل عسكرية وقتالية وإعلامية ودبلوماسية، ولن تتورع في إستخدام الحرب المائية في إتون الصراع ، وإسرائيل ليس مستبعدا أيضا محاربتها للسودان بهذه الحرب النوعية ، فهي لديها حساباتها الإستراتيجية لتركيع السودان وشعبه ، و إثيوبيا يمكن أن تفعل كل شيء من أجل مصالحها، وهذا هو المنطق ، الذي تشتغل عليه معظم دول الجوار السوداني ، التي تورطت في دعم مليشيا الدعم السريع ، لن تنظر هذه الدول أبدا للسودان من باب حسن الجوار أو من أجل سواد عيون السودانيين ، ستنظر فقط الي مصالحها ومصالح شعوبها.
ما حدث من فيضانات – سواء متعمدة أو طبيعية – يكشف ضعفنا وهشاشتنا في وضع سياسات إستراتيجية مائية ، كان يجب علينا أن نتحسب لمثل هذا الوضع المحرج الذي وجدنا أنفسنا فيه ، بلادنا في حالة حرب ونحتاج لكل الإمكانيات المالية واللوجستية لتقوية جبهة الحرب وتمكين قواتنا المسلحة من آداء واجباتها في دحر التمرد ، ومع ذلك وجدنا أنفسنا في وضع طاريء للمحاربة العاجلة في جبهة مدنية ، وتوظيف الإمكانيات لوقف عنفوان النيل الأزرق ودحره.
مصر كانت أكثر جهوذية من السودان ، مع ان السد العالي يكفي لتخزين ١٧٤ مليار متر مكعب من المياه ، إلا أنها واضعة في الإعتبار كيفية تصريف المياه الزائدة عن ذلك الحد ، بمفيض توشكي ، وهاهي تخرج من دائرة الخطر بزيرو خسائر، بل بإيجابيات عدة ، حيث تتمكن من الإستفادة من هذا المخزون المائي ، الذي جاءها هدية من السماء ، بزراعة آلاف الأفدنة والأراضي الزراعية وبالتالي زيادة دخلها القومي.
كان يمكن للسودان ، أن يقلل من حجم المخاطر الحالية من فيضانات النيل الأزرق ، عبر الإستفادة من المياه في ري مشروع الرهد الزراعي ، وفي ري مشروع كنانة ( المقترح) ، وهو المشروع المشترك المعروف باسم ترعتي كنانة والرهد، بحيث تمكن الترعة الأولى من تغيير نمط ري مشروع الرهد من ري بالطلمبات الي ري إنسيابي ، وتمكن الترعة الثانية من ري مساحة زراعية واسعة غرب الدمازين وجنوب سنجة ومناطق الدالي والمزموم وصولا الي مدينة ربك ، وهي مساحة تعادل ضعفي المساحة الحالية لمشروع الجزيرة.
كان يمكن تقليل مخاطر الفيضانات بشق ترعة من النيل غرب امدرمان لتلتوي في الصحراء وتلتحق بالنيل مرة ثانية في مدينة الدبة، وبذلك تضيف آلاف الأفدنة الزراعية الي دائرة الإنتاج .
كان يمكن شق ترعة من النيل من الي مدينة بورتسودان لأغراض الشرب والزراعة.
كل هذه المشروعات وغيرها ممكنة وقابلة للتنفيذ ، وتمكننا من إستغلال حصة السودان في مياه النيل بشكل كامل وسليم ، ولها إنعكاس إيجابي على رفع معدلات الدخل القومي وتقليل مخاطر الفيضانات.
يجب أن تعلمنا هذه الأحداث العاصفة الا نبكي على اللبن المسكوب، أن نستفيد من أزماتنا، وأن نحول المخاطر الي فرص إقتصادية عبر الدراسة والتخطيط السليم .


