بقلم/ أيوب صديق
(خبير إعلامي – مذيع B.B.C السابق)
(الجزء الثاني)
تدابير وذرايع إخراج الجبهة من الحكومة.
ذكرتُ في ختام المقال الأول بأنني سأبينُ المبرراتِ الملحةَ التي حملت الجبهة الإسلامية على قلب نظام حكم الصادق المهدي. ولكن قبل ذلك سأبين شيئًا من الأجواء السياسية التي جاءت فيها حكومة الصادق إلى السلطة في انتخابات عام 1986، التي جاءت بها أيضا الجبهة الإسلامية إلى الحكم، مما يؤدي إلى ربط زمني للأحداث وموضوعي لها كذلك. ففي أمر تلك الانتخابات، رؤي الاستعانةُ بتجربة دوائر الخريجين التي كان قد أُخذ بها في الانتخابات البرلمانية عام 1953. كان عددُ الدوائر الجغرافية في تلك الانتخابات 97 دائرة، تنافس عليها 227 مرشحًا، يمثلون ستة أحزاب. وتنافس 22 مرشحًا في تلك الانتخابات على خمسِ دوائرَ خُصصت للخرجين.
وكانت النتيجة في الدوائر الجغرافية كالآتي: الوطني الاتحادي 53 مقعدا، والأمة 22 مقعدا، والمستقلون 7 مقاعد، والجنوبيون 7 مقاعد، والجمهوري الاشتراكي 3 مقاعد.
أما في دوائر الخريجين فالوطني الاتحادي 3 مقاعد، وكان مقعدٌ واحدٌ من نصيب مرشح مستقل، ومقعدٌ واحدةٌ من نصيب الجبهة المعادية للاستعمار (تحالف الشيوعيين والديمقراطيين).
وعندما استقر الرأي على الاستعانة بدوائر الخريجين، في انتخابات 1986، سُئل السيد الصادق المهدي زعيم حزب الامة عن رأيه في أمر تلك الدوائر، ورأيه فيما قد تُحققه الجبهة الإسلامية القومية فيها؟ فقال: قولة معروفة: إن خريجي حزب الأمة أكثرُ من جماهير الجبهة الإسلامية بطولها وعرضها. وفي ذلك الجو المحموم بالاستعداد للحملة الانتخابية، كانت بعضُ الدول العربية تؤيد السيد الصادق المهدي وحزبه، نكاية في الجبهة الإسلامية القومية. وقال لي شابٌ سوداني فيما بعد، إنه أشرف على شحن أكثر من ستين عربة (لاند روفر) من ميناء بلد عربي لدعم حملة الصادق المهدي وحزبه في تلك الانتخابات.
وجرت انتخابات عام 1986 على 260 دائرة جغرافية، وكانت نتائجها كالآتي كما جاء في أحد المصادر: حزب الأمة 101 مقعد، والحزب الاتحادي الديمقراطي 63 مقعدا، والجبهة الإسلامية القومية 51 مقعدًا، وحزب الشعب التقدمي 11 مقعدا، والحزب الوطني السوداني 8 مقاعد، والرابطة السياسية لجنوب السودان 8 مقاعد، ومؤتمر الشعب الإفريقي 7 مقاعد، والحزب الشيوعي السوداني 3 مقاعد، والمؤتمر السوداني الأفريقي 2 مقعد، وحزب الشعب السوداني الاتحادي 1 مقعد، والمستقلون 5 مقاعد. وحزب الأمة الوطني لم ينل شيئا ، وحزب البعث العربي الاشتراكي دولة السودان، لم ينل شيئا، وبقيت هناك مقاعد شاغرة عددها 41 مقعدا.
أما عن دوائر الخريجين، فيقول الكاتب الدكتور عبد الله على إبراهيم في مقال له بعنوان (دوائر الخريجين أو فضائح الصفوة «1-2»)، ففي الفقرة الأولى من ذلك المقال يقول نصًا عن دوائر الخريجين:(“وكاوشتها” الجبهة الاسلامية القومية، في 1986 (26 من 28). يعني بذلك نيلها 26 مقعدًا من 28 مقعدا). ثم في آخر المقال نفسه وبعد أن رجع إلى الحديث عن دوائر الخريجين في انتخابات 1953،عاد إلى هذه الدوائر في انتخابات 1986 ليقول:( أما في انتخابات 1986 فقد تلاشت حتى هذه الذبالة الضئيلة، التي هي ما تبقى من معنى دوائر الخريجين. فقد “خمها” التيارُ الاسلامي ما عدا دوائر ثلاث في الجنوب برغم وجود مرشحين على قدر جميل من الفردية الباسلة والاستقلال غير المشوب). وهذا نص ما قاله، ولا أدري ما يعنيه بقوله: ” برغم وجود مرشحين على قدر جميل من الفردية الباسلة والاستقلال غير المشوب”. ثم مضى الدكتور عبد الله علي إبراهيم يقول: (ففي انتخابات 1986 كان بإمكان الجبهة الإسلامية القومية أن ترشح حجراً فينبت نائباً في دوائر الخريجين والبرلمان. أحزنني تردي دوائر الخريجين إلى هذه الحجرية الطائفية). ذلك نص قوله، وذلك ما أحزنه، ولكن لم نعرف كيف كان حال السيد الصادق المهدي، الذي قال: “إن خريجي حزبه أكثر من جماهير الجبهة الإسلامية بطولها وعرضها”!!
في يونيو من العام 1986، شكل الصادق المهدي حكومة ائتلافية مع حزب الأمة القومي، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والجبهة الإسلامية القومية، وأربعة أحزاب جنوبية، وبعد أقل من عام في منصبه، أقال الصادق الحكومة لأنها فشلت في صياغة قانون عقوبات جديد ليحل محل الشريعة الإسلامية، أو التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، أو إنهاء الحرب. وعقب تشكيل الصادق حكومته هذه، التي أقالها بعد أقل من عام في منصبه ، انطبق عليه المثل الشعري القائل:
”إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى
فأولُ ما يجني عليه اجتهاده”.
إذ تقول المصادر، إن الصادق اجتهد؛ فقام بأول زيارة له إلى إيران ، بدلاً من زيارة تلك الدولة التي دعمته في حملته الانتخابية دعمًا مقدرا، بل فضل عليها عدوها اللدود في عالم السياسة، حيث زار إيران وتحدث هناك كما قالت التقارير عن أوجه الشبه بين مهديتهم في السودان، ومهديتهم المنتظرة في إيران. ويقال إن تلك الزيارة كانت سبب دخول المذهب الشيعي السودان، الذي أنشئت بسببه مدرسة شيعية أو أكثر، وعُقدت بسببه حُسينياتٌ في البلاد لأول مرة، حتى أُنهي ذلك النهجُ على يد حكومة الإنقاذ. وتلك الزيارة لإيران لم تغفرها له تلك الدولة، بل ولا غيرها من شقيقاتها العربيات، عندما صار في أمس الحاجة لمساعدتها ولاسيما في التسلح.
ثم شُكلت حكومةُ الصادق الائتلافيةُ التي كانت فيها الجبهة الإسلامية مع بعض الأحزاب. وكان هناك ضغط الجيش على الصادق لاخراج الجبهة من حكومته.
وتطورت الاحداث السياسية آنئذٍ تطورًا مطردا، ومن ذلك ظهورُ ما عُرف باتفاق الميرغني قرنق في نوفمبر 1988، الذي من أهم بنوده تجميدُ أحكام الشريعة الإسلامية. وفي تلك الفترة زادت الأحوال المعيشية في البلاد سوءًا، وزادت العسكرية سوءًا أكثر منها بكثير. وعارضت الجبهة الإسلامية تجميد قوانين الشريعة الإسلامية التي يسميها الصادق المهدي (قوانين سبتمبر) التي نص على تجميدها اتفاق الميرغني قرنق، وهددتِ الجبهةُ الإسلامية بالانسحاب من الحكومة في حال أصرت الحكومة على تجميد قوانين الشريعة الإسلامية.
وفي تلك الفترة قدم القائد العام للجيش الفريق فتحي احمد علي
للصادق المهدي ما عُرفت بمذكرة الجيش، والتي كانت انذارًا واضحا له بسبب الحالة السيئة التي وصلت إليها البلاد ولا سيما الجيش من نقص رهيب في كل أنواع الأسلحة والذخائر والمواد الغذائية وغيرها من ضرورات الجيش في الحرب، إلى درجةٍ بلغ معها الجوعُ مبلغا كبيرا بين العسكريين في غابات الجنوب، مما تردت بسببه روحهم المعنوية كثيرا.
ولم أصدق ما سمعته عن كل ذلك من قبل لو لم يقل لي عنه وأكثر منه عددٌ من كبار قادة الجيش ذات يوم في مقر قيادتهم العامة. ومقابل ذلك يقاتل ذلك الجيشُ المنهك بتلك الحال، قواتِ الحركة الشعبية بزعامة جون قرنق، التي يُغدق عليها الشرقُ الأوربي الشيوعي، باعتبارها حركةً شيوعيةً لشيوعية زعيمها قرنق، ويُغدق عليها الغرب النصراني باعتبارها حركة نصرانية إفريقية جنوبية، تحارب نظاما عربيًا مسلما في الشمال. هذا وقد وفرت تلك الأحداثُ المبرراتِ والذرائعَ الكافيةَ للحزبين الكبيرين (حزبِ الجمهوريةِ الإسلامية ) و(حزب إسلام الصحوة) لتجميد القوانين الإسلامية !! ولإخراج الجبهةِ الإسلامية من الحكومة.
(يتبع إن شاء الله)
