
بقلم/ الزين عبد الرحمن محمد احمد
قبل غروب شمس الثلاثين من رمضان حوالي الساعة الثالثة عصراً وأنا متكئاً على وسائد أحلامي بأن العيد سوف يكون غداً وإنا سوف نفرح ويفرح الأطفال والشيب والشباب. بذلك اليوم السعيد وأنا في دوامة أحلامي إذ بصاحبي (موسى ) ينادي عليّ بأني مطلوب من قبل ميليشيا الدعم السريع للتحقيق في أمر بسيط وسوف يطلق سراحي بمجرد التحقق من الأمر وصدقت وذهبت معهم وحسبت الأمر يقتصر على تحقيق ونفي شبهات حول شيء معين وكان بالعربة (6) أفراد مسلحين بكامل عدتهم وعتادهم فحملوني على العربة وبدوا يرسلون أشارات بأن الموضوع بسيط مجرد تحقيق فلما وصلنا مكان الاعتقال وطلبت منهم أن أدي صلاة العصر سمحوا لي بالصلاة وبعدها طلب مني أحدهم أن أتيه لأنه رأي بعض المال في جيبي وقال لي ( أدينا القروش العندك دي عشان نشتري بنزين ونرجعكم فسلمته القروش وكانت حوالي 40 ألف جنيه ) وبعدها مباشرة أنتهرني بشدة (عسكري وديه الكركون ) تم إدخالي في الكركون وجدت ستة معتقلين في غرفة مساحتها 5× 4 بها باب واحد مقفل بمفتاح وشباك واحد فاتح على الشارع وهو المنفذ الوحيد والمتنفس الذي يأتينا منه الهواء وكان الجو حاراً جداً ونحن صائمون ، فوجدنا الغرفة متسخة بها اعقاب سجاير وملابس متسخة وبقايا فرشات متسخة ونتنة الريحة ( وفارها يلعب جهاراً نهاراً ) فلما دخلت وجدت أحد المعتقلين قد نام فنبهته إن الفار قام بجولة سريعة حوله فصحا من نومه وجاء موعد الإفطار في آخر يوم من رمضان فأتوا لنا بجك عصير كركدي (1) وجك ماء (1) وإناء صغير به حبيبات من الأرز الأبيض المسلوق بالماء فقط وقدموه إلينا فامتنع إتنين من الشباب أن يأكلوا فأفطرنا وبدأ مسلسل التحقيق معنا الاسم والسكن وشغال وين هلمجرا .. وبتنا ليلتنا هذه بدون أي طعام وإلا الماء الذي كنا نطلبه ويأتوننا به على مضض وهم في حالة اعتراض وأن من يطلب الماء مرة أخرى سوف يجلد طبعاً السوط موجود فصبرنا على ما جرى لنا في تلك الليلة . من الطرائف أن هؤلاء القوم كذابين ويمارسون الخداع دوماً فالمحقق جاءنا ووعدنا بأنه سوف يذهب للقائد قبل صلاة العشاء ويطلب منه إطلاق سراحنا .. وعندما سرى هذا الوعد الكاذب في أنفس المعتقلين بدوا في الكلام مع بعضهم والونسة وأنفتحت سرائرهم على وقع هذا الوعد الكاذب فجاء العشاء وبعده أظلم الليل علينا فبدأ كل منا تحت سيطرة الوساوس هل سيطلق سراحنا اليوم أو بكرة أم سوف نبقى أياماً وشهوراً طبعاً أنا لم أعتد على السجون ولا المعتقلات طيلة حياتي ولم أذهب لمغفر شرطة طيلة حياتي إلا في مشاجرات دائماً ما أكون أنا لست المخطئ فيها.فكلما أصحوا أجد أن الليل ساعاته بطيئة والبصيص الوحيد للنور كان الشباك المقفور من قبل الجنجويد خوفاً من هروبنا ، في هذا الجو طفت بنفسي لمحن المعتقلات فيمن أعتقل فتذكرت تجربة المرحوم (بابكر بدري حينما اعتقل في المعتقلات المصرية لمدة سنتين ما عناه في تلك الفترة أما المعتقلون الأخرون فكان كل واحد منهم يعيش عالمه وساوسه لا أدي ما يقولون فهم واجمون ، يلتمسون من الله الفرج يتقلبون في الأفرشة المتسخة يميناً ويساراً . فأصبح الصبح علينا (يوم العيد) لا جديد عندنا لا فرح لا مباركة لا صلة بالعالم ، مرت ساعات يوم العيد ثقيلة الوطأة علينا حتى الساعة الثالثة ظهراً جاءتنا العصابة يلبسون الجلايب البيضاء الناصعة البياض وبياضها وسواد نفوسهم في تضاد واضح تقرأه دون عناء فتبرعوا لنا بوجبة في تمام الساعة الثالثة ظهراً كانت عبارة عن ( 10 حبات طماطم و 5 خبزات ) فألتهمنا الوجبة حتى متعففي الأمس شاركونا .
بعدها مباشرة بدأت مسرحية أخرى وهي تهيئة الضحية لما يريده الجلاد فضربونا كلنا صغيرنا وكبيرنا جلداً مبرحاً مع كثير من الإساءات والبذاءات ورضينا بنصيبنا وحمدنا الله أن المسألة اقتصرت على الضرب فقط. بعد هذه التهيئة أصبح الفريق جاهز لعرض الابتزازات والعروض فعرضوا على كل واحد منا جزية على حسب شكله وهيئته وأنا كنت آخرهم وقالوا لي إنت يا عمنا جرمك فدائه يساوي 3.500 مليون فلابد أن تدفعها ليتم إطلاق سراحك أما البقية فأخذوا فرادا وجماعات على بيوت ذويهم فمنهم من دفع 100 مليون أو 200 مليون وأنا دفعت لهم 300 مليون عداً ونقداً مع الإشارة أنهم تعهدوا بأن كل ممتلكاتنا التي استولوا عليها منا سوف يقومون بإرجاعها لنا بعد الدفع ولكن هذه وعود الذئب لفريسته فذهبنا إليهم لاستلام ممتلكاتنا فما وجدنا شيء إلا الأكاذيب هؤلاء قوم كذابون سفلة عصابات مجرمة تمارس الابتزاز والسرقة والقتل .
إلى أعمياء البصر والبصيرة ما رايكم في ما حدث لي ؟ و حدث لغيري هذا للأسف غيض من فيض هذه المليشيا أرتكبت جرائم لا تحصى ولا تعد فمن يؤيدها أو يتعاطف معها فهو آثم قلبه .
مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب دينا

