بقلم / احمد التجاني دلدوم الختيم _
(مستشار قانوني)
في أي دولة في العالم تطمح إلى ترسيخ القانون وتحقيق الاستقرار ، لا بد ان تقف فيه العدالة كقاعدة راسخة لبنيان الحكم الراشد ، وفي بلدنا الجريح ، حيث لا تزال معركة بناء دولة القانون والمؤسسات قائمة، يناط هذا العبء الجليل بالقضاة، ومستشاري وزارة العدل، وأعضاء النيابة العامة ، هؤلاء هم من يفترض فيهم انهم الحراس الحقيقيون للعدالة، الذين لا تقوم المحكمة إلا بوقارهم، ولا تصان الحقوق إلا بجهدهم ،
لكن !!!
كيف ينتظر من ركن العدالة أن ينهض بوظيفته السامية، إذا كان يُمنح من الأجر ما لا يكفي لسد الرمق، ويُمنع بموجب قواعد السلوك المهني من السعي لتحسين وضعه بوسائل أخرى؟!
ما يتقاضاه العاملون في المؤسسات العدلية من رواتب لا يوازي بأي حال من الأحوال حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ولا طبيعة العمل المرهق، ولا القيود الصارمة المفروضة عليهم ، فالموظف في الحقل العدلي سواء كان قاضيًا أو مستشارًا قانونيًا أو وكيل نيابة ، محكوم بأخلاقيات مهنية تحرّمه من الانخراط في أي نشاط تجاري قد يمس استقلاله أو حياده ، وهذا القيد المشروع مبدئيًا يصبح ظالما إن لم يقابله أجر كريم يكفل له ولأسرته حياة تليق بمكانته ووظيفته.
لا يستقيم، منطقيًا ولا أخلاقيًا، أن يُكلف القاضي بالفصل في نزاعات بمليارات الجنيهات، وهو نفسه يعجز عن دفع إيجار منزله أو رسوم تعليم أبنائه ، ولا يعقل أن يطلب من وكيل النيابة أن يقف بثبات في وجه الفساد والجريمة المنظمة، وهو غير قادر على توفير الحليب لأطفاله ، كما لا يعقل أن يشرف المستشارون علي سلامة العقود التي تحفظ حقوق الدولة في وجه الغير وهم مشغولون بقوت يومهم ، هذا الواقع ليس فقط مصدر ضغط نفسي هائل ، بل مدخل خطير لزعزعة النزاهة، وإنهاك الضمير، وتهديد الاستقلال .
استقلال السلطة القضائية والنيابة العامة ومؤسسات العدل لا يكون حقيقيا ما لم يُترجم إلى استقلال مالي وإداري ، فالعوز باب من أبواب الإغراء، وهو تهديد صامت لاستقلال القرار في هذا (الحقل العدلي) ، لا بد من أن يشعر القاضي والمستشار القانوني ووكيل النيابة بالأمان المالي، ليتمكن من العمل بضمير خالص لا تقيّده الحاجة، ولا تضعفه الظروف.
ولعل المبدأ الذي قاله أحد أساطين الفقه : (أعطِ القاضي ما يغنيه، ثم حاسبه إن جار) يظل شعارًا يجب أن يُترجم إلى سياسات حقيقية (والقاضي) هنا يرمز لكل ما يمثل العدالة في ظني المتواضع ..
دعوة عاجلة إلى مراجعة شاملة :
معالجة أزمة الأجور في الأجهزة العدلية لا تحتمل التأجيل أو الحلول بالتجزئية ، بل يجب الشروع فورًا في إصلاح جاد عبر ما يلي :
1/ مراجعة دورية وفقًا للتضخم ، بربط الأجور بمؤشرات الغلاء، حتى لا تنهار القدرة الشرائية للموظف في الحقل العدلي .
2/ ضمان ميزانيات مستقلة بوجوب أن تتمتع رئاسة القضاء، والنيابة العامة، ووزارة العدل، باستقلال مالي فعلي يشرف عليه مجلس أعلى مستقل لكل جهة.
خروج :
إن العدالة لا تقاس فقط بحجم القوانين، بل بجودة من يطبقها، وبكرامتهم، وبمدى شعورهم بالعدل داخل مؤسساتهم ، لا يمكن أن نطالب قاضيًا منهكًا بالعدالة، أو مستشارًا مثقلاً بالديون بالنزاهة، أو وكيل نيابة محروما من أبسط حقوقه بالثبات في وجه الفساد.
فإن كنا نريد دولة قانون حقيقية، فليبدأ الإصلاح من قلب العدالة من أجور القضاة، وأمن المستشارين، وكرامة وكلاء النيابة !!
————
والله ولي التوفيق وهو يهدي السبيل.


