
بقلم / د.حيدر معتصم.
(مدير مركز الخرطوم للحوار)
مدخل:
لم تكن معاناة السودان مع التيارات الأيديولوجية مجرد خلاف فكري مشروع،بل كانت — وما تزال — أزمة في فهم الوطن ذاته،ففي الوقت الذي كان ينبغي فيه أن تتوطن الأيديولوجيات في التربة السودانيةوتتماهى مع هوية المجتمع وتاريخه وخصوصيته،
اختارت النخب أن تؤدلج الوطن نفسه،وتعيد تشكيله قسرًا على مقاس الأفكار المستوردة.
أدلجة الوطن… الخطر الأكبر:
تحوّل الوطن إلى غنيمة تتنازعها المشاريع الحزبية.
غابت الهوية الجامعة لصالح الهويات الحزبية والجهوية والعرقية.
أصبح الانتماء للأيدلوجيا مقدّمًا على الانتماء للوطن.
سادت عقلية الإقصاء والتخوين والاحتكار.
ما معنى “توطين الأيديولوجيا”؟
ليس المطلوب محاربة الأيديولوجيات، بل ضبط علاقتها بالوطن.
“التوطين” يعني أن تعمل الأيدلوجيا من داخل الوطن ولصالحه،لا أن تعمل على حساب الوطن وبتوجيه خارجي.
يعني أن تكون الأيديولوجيا وسيلة لفهم الواقع وتطويره،
لا أداة لفرض السيطرة والهيمنة.
المقارنة الجوهرية:
الأدلجة :
تفرض الوطن داخل الأيديولوجييا.
تغيب الواقع لصالح المثال.
ترفض الآخر المختلف.
تنتج صراعا دائما.
التوطين :
تدرج الأيديولوجيا داخل الوطن.
تنطلق من الواقع وتطوّره.
تقبل التعدد وتؤمن بالحوار.
تنتج مشروعًا مشتركًا.
التيار الوطني كوعاء للتوطين:
التيار الوطني الجامع هو الإطار المناسب لتوطين الأفكار.
يسمح بوجود تنوع أيديولوجي داخل مظلة وطنية موحدة.
يمنع الأدلجة القسرية للمجتمع والدولة.
يُعلي من قيمة الهوية السودانية الجامعة كأساس للتعايش والمواطنة.
خاتمة:
إنّ الخروج من نفق الاستقطاب الحاد بين تكتلات الإسلاميين و العلمانيين يمرُّ حتمًا عبر مشروع وطني جامع يستبدل أدلجة الوطن بـ توطين الأفكار،ويرفع الوطن إلى مكانته الطبيعية كمصدر الشرعية والمرجعية،
ويفتح الباب أمام بناء الدولة على قاعدة الشراكة لا الهيمنة،
وعلى أرضية الهوية الجامعة لا الاستقطاب الإقصائي.
