مقالات الرأي

وما زال في القلب مكان..

فايف دبليوز سيرفس

بقلم / شذى عبدالله طه زين الدين

أحيانًا نمضي في دروب الحياة ونظن أننا تركنا خلفنا كل شيء الوجوه التي عبرت والأصوات التي رافقتنا يومًا، واللحظات التي كانت تبدو أبدية.
لكننا نفاجأ بعد سنوات أن القلب ما زال يحمل لهم مقعدًا صغيرًا في ركنه مقعدًا لا يزاحمه أحد، ولا يتغير مع تبدل الفصول.

ما أعجب هذا القلب يحتفظ بتفاصيل كنا نظن أننا نسيناها ضحكة مباغتة في ساحة مدرسة يد تمتد بخجل لتعطينا قلمًا في امتحان، رسالة قصيرة في وقت عصيب كانت كفيلة أن تضيء عتمة يوم كامل.
نكبر وتكبر معنا الهموم لكن بعض الذكريات تبقى صغيرة وخفيفة كأنها قطرات ندى ترفض أن تجف.

ذات مرة التقيت بامرأة مسنّة كانت تحكي عن صديقة طفولتها.
لم تلتقِ بها منذ أربعين عامًا، لكنها كانت تصفها كما لو أنها جلست معها بالأمس. سألتها ألا يوجعك هذا الحنين؟” فأجابت بابتسامة هادئة لا، هو الذي يواسيني. أعرف أنها ربما نسيتني، لكن قلبي ما زال فيه مكان لها. يومها فهمت أن الوفاء ليس أن نظل مع الآخرين جسدًا بجسد، بل أن نحملهم بصدق في قلوبنا مهما ابتعدوا.

كثيرًا ما يختبرنا الغياب هناك من يمر في حياتنا كعابر سبيل وهناك من يرسّخ في أعماقنا جذورًا لا نخلعها حتى لو جفّت الأوراق. والفرق بين الاثنين أن الأول يترك فراغًا أما الثاني فيترك أثرًا. الأثر لا يُمحى، لأنه يتسلل إلى طريقة كلامنا، إلى اختياراتنا، إلى ابتسامة تشبه ابتسامته، أو عادة صغيرة نتبناها من غير أن نشعر.

ربما لهذا السبب، نجد أنفسنا نبتسم حين نشم رائحة عطر قديم، أو حين تمر بنا أغنية كنا نسمعها معًا. نحن لا نبتسم للأغنية أو للعطر، بل لذلك المكان الصغير في القلب الذي ما زال يحتفظ بهم، كما لو أنه يرفض أن يعترف بالغياب. والذكريات في حقيقتها تشبه فنجان قهوة تركناه حتى برد؛ لم يعد ساخنًا كما كان، لكنه صار أطيب مذاقًا وأكثر وضوحًا في نكهته.

وما زال في القلب مكان… مكان لا يشغله الزمن ولا يفسده البعد، ولا يبدده الغضب.
مكان نلجأ إليه في ليالي الوحدة، فنجد فيه وجوهًا تضيء الذاكرة وأصواتًا لا يسمعها أحد سوانا. مكان يجعلنا نؤمن أن الإنسان لا يعيش بالعلاقات الحاضرة فقط، بل بالذكريات التي اختبأت في قلبه وصارت جزءًا من تكوينه.

ويبقى السؤال: هل نملك أن نحافظ على تلك المقاعد الصغيرة في قلوبنا لمن مروا يومًا وتركوا أثرًا؟

قهوتي أحب شربها باردة..

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى