
كثيراً ما اتسمت علاقة الجماعة في الخرطوم مع الولايات المتحدة بالاختلاط..

شكل التداخل بين الإسلام السياسي ومؤسسات الدولة نقطة ارتكاز لانقلاب البشير- الترابي في عام 1989
قد تتجه الإدارة الأميركية إلى الإبقاء على “إخوان” السودان خارج التصنيف الإرهابي أملاً في توظيفهم المحتمل، حيث ينظر إليهم كتيار قادر على تقديم تنازلات سياسية واسعة، وقوة يمكن استخدامها لموازنة نفوذ فاعلين آخرين داخل السودان والإقليم.
تعود جذور تنظيم “الإخوان المسلمين” في السودان إلى عشرينيات القرن الماضي، حيث تأسس فرع منه متأثراً بفكر “الإخوان” في مصر، وكان يدمج بين الأيديولوجيا والسياسة في إطار دعوي. تطور التنظيم في السودان عبر عقود في سياق محلي خاص، مع تمايزات مهمة عن هيكل “إخوان” مصر، لكنه يشاركه بشبكات فكرية وبرامج عمل اجتماعي وسياسي مشابهة.
على مستوى العلاقة مع الولايات المتحدة ، اتسمت بالاختلاط، من جهة اتهمت الولايات المتحدة بعض حلقات النظام السوداني (وخلايا مرتبطة بجماعات متطرفة) باستضافة أو تقديم ملاذ لشبكات إرهابية خلال التسعينيات والألفية الأولى، مما قاد إلى عقوبات وتصنيف السودان دولة راعية للإرهاب. من جهة أخرى بعد إطاحة عمر البشير عام 2019 وبدء مرحلة انتقالية، سعت واشنطن إلى موازنة المخاوف الأمنية مع حوافز دبلوماسية، فدعمت خطوات إجرائية كإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في أواخر 2020 كحافز لإعادة دمج الخرطوم في النظام المالي والدبلوماسي الدولي. وعلى رغم أن هذا التغيير فتح أبواباً لتعاون اقتصادي وسياسي مشروط، فإن الخشية الأميركية من تأثير “الإخوان” لم تختف. إذ ربطت تقارير تحليلية وتحذيرات استخباراتية بين بقايا شبكات إخوانية ومؤسسات أمنية أو ميليشيات في السودان، مما يجعل العلاقة مع واشنطن عرضة للتقلبات اعتماداً على تحولات السلطة والأخطار الأمنية الإقليمية. علاوة على ذلك، تعاملت السياسة الأميركية مع السودان تاريخياً عبر مزيج من الضغوط، عقوبات وملاحقات قانونية وحوافز، رفع العقوبات ودعم اقتصادي، استجابة لمدى التزام الخرطوم بمعايير مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان.
سياق أوسع
في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وقع الرئيس دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يأذن لوزير الخارجية ووزير الخزانة بإعداد تقرير هدفه تحديد “بعض فروع جماعة الإخوان” كمنظمات إرهابية أو كإرهابيين دوليين مدرجين، لكن البيان الرسمي يحدد بوضوح أن الفروع المستهدفة هي تلك التي في مصر، والأردن، ولبنان. ولم يشمل القرار أو يستهدف مباشرة فروع “الإخوان” في السودان، فالقرار موجه تحديداً إلى “الفروع” التي “تشرك نفسها أو تسهل دعماً لحملات عنف وتزعزع استقراراً” في الدول المذكورة.
بالنظر إلى واقع العلاقة بين “جماعة الإخوان” في السودان وبين “التنظيم العالمي للإخوان المسلمين” يلفت الأمر التنفيذي إلى شبكات الانتماء الأيديولوجي، أو التأييد المتبادل بين الفروع، إذ ربما يستخدم لاحقاً كذريعة لتوسيع عملية التصنيف. كما أن القرار الذي يرتكز على مبدأ فروع محددة وليس على كيان جماعة “الإخوان” ككل، له ما يبرره.
منطق الإدارة الأميركية، كما رسمته الوثيقة التنفيذية، يفرض تمييز الفروع وليس فرض تعميم تلقائي. وهذا الطابع الجزئي ربما يعكس حساسية قانونية ودبلوماسية، فالخطوة تستهدف ما يعد ممارسات إرهابية محددة، لا معتقداً فكرياً عاماً، وهو تمييز يتماهى مع منهج معقد يدمج بين الأيديولوجيا والنشاط المحرك لها في سياقات مختلفة، ومستوى التهديد القائم.
في ضوء ذلك، فإن قرار ترمب حالياً لا يشمل فروع “الإخوان” في السودان، لأن السودان لم يرد صراحة ضمن نطاق الفروع التي اعتبرت مؤهلة للتصنيف. لكن نظرياً، الباب لم يغلق، فإذا احتسبت أي علاقة بين عدد من أفراد أو كتل سودانية والفروع المصنفة، فمن الممكن لاحقاً توسيع قرار التصنيف ليشملهم.
يبقى القرار، في مرحلته الراهنة، دقيقاً وانتقائياً، يحكمه معيار تصرفات ملموسة لا مواقف أيديولوجية جامدة. لكن في عالم السياسة العالمية، حيث البنى التنظيمية مترابطة، فإن الحدود بين فروع التنظيم قد يعاد رسمها مستقبلاً، في سياق أوسع لتقييم الأمن القومي.
يفتح قرار الإدارة الأميركية الأخير حيزاً من التعقيد الاستراتيجي في السودان. من الناحية الشكلية، الخطوة مقرونة بإجراءات قانونية دقيقة تستهدف فروعاً محددة تربطها بدعائم ممارسات إرهابية، ولم يسجل السودان صراحة ضمن الدول المدرجة في المرسوم التنفيذي.
هذا التمييز القانوني يمنح، من جهة، هامشاً تكتيكياً للجماعات والأفراد في بيئات مضطربة، إذ إن غياب إشارة صريحة لـ”الإخوان” في السودان يتيح لتلك الشبكات العمل في فضاءات رمادية، تستثمر لمصلحة توسيع النفوذ المؤسسي والسياسي، خصوصاً عندما تتقاطع المصالح مع قيادات عسكرية تسعى إلى الحفاظ على السيطرة. وتحول الحالة إلى “عمل من خلف ستار” يقلص كلفة التعرض للعقوبات المباشرة ويزيد من قدرة الفاعلين على التنصل من الضغط الدبلوماسي المباشر.
يوفر هذا الواقع تداعيات عملية على مسار الحرب والسياسة السودانية، فذوو النفوذ الذين يستثمرون في إطالة أمد النزاع يجدون في الاستبقاء على معادلات القوة محفزاً لاستدامة مواقف متعنتة، خصوصاً إذا ربطوا مصالحهم الأمنية والاقتصادية باستمرار قيادة عسكرية تقرر السياسات. لذلك، قد يسهم الاستثناء الضمني في قرار واشنطن في تزايد ثقة من يرى فيه نصراً تكتيكياً، مما يثبت مواقف رفض الهدن المقترحة، ويعرقل قبول مقترحات الوساطة الإقليمية والدولية.
وعلى مستوى التداعيات الدولية، فإن القرار الأميركي الجزئي يبعث برسالة مزدوجة، فهو يوازن بين الرغبـة في تقويض شبكات مرتبطة بالعنف، والحذر من توسيع قائمة المستهدفين بطريقة قد تربك العلاقات مع أطراف إقليمية أو تضر بمسارات تفاوضية حساسة. ولكن هذا التوازن الدقيق يحمل مخاطرة عملية، إذ يبقى نافذة استغلالية أمام عناصر داخلية قادرة على تحويل غياب الإدانة الصريحة إلى أوراق قوة في لعبة سياسية دامية.
وعليه، فإن عدم شمول السودان صراحة في التصنيف قد يمنح الجماعات العاملة هناك هامشاً من المناورة والتعاظم السياسي داخل مؤسسات القوة، ويسهم، على نحو غير مباشر، في إطالة أمد الموقف المتصلب للقيادة العسكرية، مما يعقد إمكانية التوصل إلى تسوية سريعة وشاملة.
سيولة سياسية
يعيش تنظيم “الإخوان” في السودان اليوم حالة سيولة سياسية تذكر، في بعض أطيافها، بأحلام “المركز العالمي للحركة الإسلامية” التي بشر بها حسن الترابي في تسعينيات القرن الماضي، ولذلك ثمة تأثيرات لقرار ترمب على مراحل زمنية مختلفة.
أولاً، على المدى القريب، ستسعى شبكات “الإخوان” في السودان، من قيادات حزب “المؤتمر الوطني” السابق، وشخصيات مثل علي كرتي الأمين العام لـ”الحركة الإسلامية السودانية” الذي أصدر بياناً عقب إعلان قرار ترمب توعد فيه بأن “القرار لا يستطيع اقتلاع فكر الحركة من السودان”، إضافة إلى سعي أطر تنظيمية متبقية داخل بعض الأجهزة الرسمية، إلى استغلال كون السودان غير مذكور صراحة في قرار التصنيف. هذا الفراغ، ربما يمنحهم فرصة للمناورة، خصوصاً مع استمرار اعتماد جزء من قيادة الجيش عليهم كمخزون سياسي وفكري يملأ فراغ الدولة المنهكة. فلا تزال دوائر داخل القيادة المحيطة بالفريق عبدالفتاح البرهان، ترى في “الإخوان” مظلة تعبئة اجتماعية وسياسية، وهو ما قد يدفع هذه الشبكات إلى الاعتقاد بأن القرار الأميركي لا يمسهم، وأنهم قادرون على إعادة تنظيم صفوفهم، والتأثير في قرار الحرب والهدنة، ورفض مبادرات مثل ورقة مستشار ترمب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.
ثانياً، على المدى المتوسط، ستتزايد الضغوط غير المباشرة على “الإخوان” في السودان بفعل الارتباط الرمزي والتنظيمي الحتمي مع الجماعة الأم، إذ إن تصنيف فروع كبرى في المنطقة سيعني أن أي دعم أو تواصل أو تمويل عابر للحدود قد يخضع للرقابة الدولية. وهذا يؤثر في شخصيات رئيسة في التنظيم خصوصاً ممن يرتبطون تقليدياً بشبكات خارجية. كما ستصبح قدرة “الإخوان” على التغلغل في مؤسسات الدولة أصعب، خصوصاً في الملفات ذات الصلة بالمالية، والأمن، والمجتمع المدني، لأن الجهات الدولية، سواء “الرباعية” أو “البنك الدولي” أو الأمم المتحدة، ستضغط لمنع إعادة تدوير الإسلاميين داخل مراكز القرار. وهنا يظهر خطراً على الجيش نفسه، إذ قد يجد البرهان نفسه محاصراً من شركائه الإقليميين إن استمر في الاتكاء على بقايا المنظومة الإسلامية.
ثالثاً، على المدى البعيد، فإن أثر التصنيف الإقليمي قد يقوض جذرياً فكرة “بعث الحركة الإسلامية من الخرطوم” التي حلم بها الترابي. فالعالم اليوم يتجه إلى ربط “الإخوان”، كشبكة عابرة، بخطابات العنف وعدم الاستقرار. ومن ثم، ستتقلص أسلحة الشرعية التي تعتمد عليها النخب الإسلامية السودانية لإعادة بناء مشروع حكم. وبمرور الزمن، سيصبح أي تحالف بينهم وبين الجيش عبئاً على المؤسسة العسكرية نفسها، مما يدفع نحو تحولات بنيوية تقصيهم تدريجاً من المشهد.
سيناريوهات محتملة
في ضوء قرار ترمب بتصنيف جماعات “الإخوان المسلمين” كتنظيمات إرهابية، تتشكل ثلاثة سيناريوهات رئيسة يمكن أن تحدد مستقبل موقع “الإخوان” في السودان، سواء داخل المعادلة السياسية المعقدة اليوم أو في مسار الحرب الدائرة. هذه السيناريوهات تستند إلى قراءة واقعية للتوازنات الحالية، وإلى فهم عميق لطبيعة الجماعة التاريخية في السودان وعلاقاتها المتشابكة مع الجيش والإقليم والغرب.
السيناريو الأول، تضييق تدريجي ينتج إقصاء ناعماً. في هذا المسار، مع أن القرار الأميركي لا يشمل السودان رسمياً، لكنه يخلق مناخاً إقليمياً ودولياً خانقاً لأي امتدادات إخوانية. هنا تبدأ الضغوط عبر قنوات التمويل والسفر والمساءلة، والعمل المدني، بحيث يجد “الإخوان” في السودان أنفسهم محاصرين من دون أن يذكرهم القرار مباشرة. يترافق ذلك مع ضجر داخل الجيش من الاعتماد عليهم، خصوصاً في ظل تحذيرات تأتي من الحلفاء الإقليميين الرافضين لأي نفوذ إخواني. هذه البيئة تؤدي إلى انسحاب تدريجي للإخوان من مراكز التأثير في قرار الحرب والسياسة، حتى من دون إعلان رسمي عن إقصائهم.
السيناريو الثاني، تعزيز النفوذ عبر الاستثناء وتحويله إلى فرصة. وهنا قد تجد جماعة “الإخوان” أن عدم إدراج السودان في القرار الأميركي هو ثغرة قابلة للاستثمار. وربما يستقوي قياديون منهم عبر علاقتهم بالجيش، ويروجون لفكرة أن واشنطن لا تعدهم خطراً. بذلك يرسخون وجودهم داخل هياكل الدولة المنهكة، ويدفعون باتجاه مواقف متصلبة في الحرب، رافضين أي مبادرات، اعتقاداً منهم بأنهم قادرون على استعادة نموذج “التمكين” عبر إعادة هندسة السلطة. هذا السيناريو يفاقم الحرب ويزيد احتمالات انغلاق المشهد السياسي أمام أي تسوية.
السيناريو الثالث، توظيف أميركي مشروط للإخوان السودانيين في إطار ترتيبات إقليمية مستقبلية. وذلك استناداً إلى طبيعة القرار الأميركي، وإلى سابقة التعاون الاستخباري المحدود، مثل ما فعل صلاح قوش، رئيس الاستخبارات السودانية السابق، حين سلم معلومات لواشنطن خلال خلافه مع البشير، فقد تتجه الإدارة الأميركية إلى الإبقاء على “الإخوان” في السودان خارج التصنيف أملاً في توظيفهم المحتمل، حيث ينظر إليهم كتيار قادر على تقديم تنازلات سياسية واسعة، وفي الوقت نفسه كقوة يمكن استخدامها لموازنة نفوذ فاعلين آخرين داخل السودان والإقليم. بهذا قد يصبح “الإخوان”، أداة في صيغ الانتقال السياسي، تستخدم مرحلياً ثم تعاد صياغة دورها وفق متطلبات الاستقرار الإقليمي.


