
تقرير/ منى عبد الفتاح- اندبندنت عربية T.v @munaabdelfattah
مع تسارع مساعي تهيئة البيئة لعودة اللاجئين السودانيين إلى بلادهم وخصوصاً العاصمة الخرطوم، بعد خروج قوات “الدعم السريع” من أجزاء واسعة منها خلال العام الماضي، برزت آثار جانبية ثقيلة الوطأة على الفئات الأضعف، وفي مقدمها اللاجئون من دول الجوار، ولا سيما القادمون من دولة جنوب السودان، فقد تحولت الخرطوم، التي شكلت لأعوام مقراً لهؤلاء اللاجئين، إلى محطة عابرة موقتة في مسار ترحيل ينتهي، في الغالب، عند معبر جودة الحدودي بين البلدين، ذلك المعبر الذي لم يعد مجرد نقطة جغرافية، بل صار رمزاً لعبور قسري تتداخل فيه السياسة بالأمن وبالهشاشة الإنسانية.
ومع انطلاق حملات إعادة تنظيم المدينة، تلازم خطاب “تهيئة البيئة لعودة المواطنين” مع إزالة السكن العشوائي وضبط الوجود الأجنبي، ففي المؤتمر الصحافي للجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين لولاية الخرطوم، المنعقد في سبتمبر (أيلول) 2025 برئاسة عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، عرض وزير الدفاع الفريق ركن حسن داؤود كبرون ووزير الداخلية الفريق شرطة حقوقي بابكر سمرة جهود “لجنة ضبط الأمن وفرض هيبة الدولة”، مشيرين إلى وجود نحو 38 ألفاً من اللاجئين والوجود الأجنبي غير المنتظم، ضمن هذا الإطار أعيد رسم صورة اللاجئ بوصفه عبئاً أمنياً، مما مهد عملياً لمسارات ترحيل تنتهي عند المعابر الحدودية لتبدأ فصول مآسٍ أخرى.
وبحسب مساعد المعتمد بولاية الخرطوم، إدريس عبدالله ليمان، جرى ترحيل 25 فوجاً حتى الـ13 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بواسطة فريق مشترك من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومعتمدية اللاجئين، وبلغ عدد المرحلين من اللاجئين، جنوب سودانيين وإثيوبيين وإريتريين، 3646 لاجئاً، ويرحل مواطنو جنوب السودان إلى ولاية النيل الأبيض، ثم ينقلون عبر معبر جودة الحدودي إلى مقاطعة الرنك داخل جنوب السودان، في رحلة ترتبط بنقص الغذاء، وانتظار قاسٍ قد يمتد لأيام عند المعبر، وحتى الـ24 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، بلغ عدد أفواج اللاجئين الجنوب سودانيين المرحلين من الخرطوم 30 فوجاً، كان آخرها يضم 36 أسرة، في مؤشر إلى استمرارية هذا المسار.
وليس هذا المشهد معزولاً عن تاريخ أطول، فمنذ عام 2010 أطلقت مفوضية شؤون اللاجئين برنامج عودة طوعية للجنوب سودانيين المقيمين في الخرطوم، نقل خلاله نحو 70 ألف شخص حتى 2013، قبل أن تعيد الحرب التي اندلعت هناك بعد الانفصال إنتاج النزوح، اليوم، ومع تحول الجغرافيا السودانية بأكملها إلى فضاء حراك قسري، يغدو معبر جودة مرآة لطريقة إدارة ملف اللاجئين عموماً، وحداً فاصلاً بين خطاب الاستقرار وممارسة الترحيل، في بلد لم تعد مساراته الداخلية أقل قسوة من حدوده الدولية.
حمولة كثيفة:
اكتسب معبر جودة الحدودي وأحد أبرز المعابر البرية بين السودان ودولة جنوب السودان أهميته بوصفه نقطة تماس حيوية بين بلدين تقاسما تاريخاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً واحداً قبل انفصال الجنوب عام 2011، كما يمثل أحد أكثر المقاطع الحدودية نشاطاً من جهة حركة السكان والتجارة غير الرسمية، وفيه تكمن قدرة عملية على التأثير في شريان حدودي يمتد لأكثر من 2000 كيلومتر، حين تتداخل أنماط العيش، وتتشابك القبائل، وتتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية.
منذ انفصال جنوب السودان ارتبط معبر جودة بمحاولات متكررة لفتحه بصورة رسمية أمام حركة التجارة وتنقل المواطنين، غير أن هذه المساعي اصطدمت بعقبات سياسية وأمنية، على رغم الاجتماعات المشتركة بين الخرطوم وجوبا، فالمعبر لا ينظر إليه فقط كنقطة عبور، بل كأحد مفاتيح التعاون الاقتصادي بين الدولتين، في ظل اعتماد جنوب السودان على تصدير نفطه عبر الأراضي السودانية، مما يجعل أي اضطراب أمني في المعبر ذا انعكاسات إقليمية تتجاوز الحدود المحلية.
وشكل المعبر متنفساً أساساً لسكان المناطق الحدودية، لتبادل السلع الزراعية والحيوانية، وممراً للعمالة الموسمية، وتحول منذ اندلاع الحرب في السودان إلى أحد مسارات الهرب من مناطق النزاع، سواء للسودانيين أو للاجئين، غير أن السيطرة المتنازع عليها للمعبر، خصوصاً مع تمدد قوات “الدعم السريع” في شمال ولاية النيل الأبيض ووصولها إلى محلية القطينة، جعلت منطقة “جودة” و”الجبلين” التي تبعد نحو 40 كيلومتراً، عرضة لموجات نزوح متصاعدة، وركود اقتصادي حاد.
ظل معبر جودة محوراً للاشتباكات والتجاذبات العسكرية، ففي الماضي أعلنت قوات “الدعم السريع” سيطرتها على المعبر وبلدة جودة، وعلى وحدات عسكرية تابعة للجيش، وهو ما نفته القوات المسلحة السودانية مؤكدة إحكام سيطرتها على المنطقة، هذا التنازع يعكس إدراك الطرفين لأهمية المعبر، إذ إن التحكم فيه يعني تنظيم حركة البضائع والنازحين، والتأثير في مسارات اللجوء والهجرة بين الدولتين.
وتستدعي التطورات الجارية عند معبر جودة استحضار الذاكرة التاريخية المأسوية للمنطقة، ممثلة في حادثة “عنبر جودة” عام 1956، حين احتجز مزارعون داخل مخزن محصول القطن أثناء نزاع عمالي، مما أدى إلى وفاة العشرات اختناقاً، وعلى رغم غياب العلاقة المباشرة بين الحادثة التاريخية والمعبر الحدودي الحالي، فإن تلاقيهما في الجغرافيا نفسها منح جودة حمولة رمزية كثيفة، جعلت اسمها مرتبطاً في الوعي الجمعي بالقهر وسوء الإدارة، وهكذا، يظهر معبر جودة اليوم كبوابة حدودية، تتقاطع عندها الذاكرة المأسوية مع صراعات الحاضر، في منطقة لا تزال معلقة على حافة الاستقرار.
انعكاس التوترات:
من الأحداث المرتبطة بهذا المعبر، في مارس (آذار) العام الماضي، أقدمت حكومة ولاية الجزيرة على إبعاد نحو 3 آلاف من مواطني جنوب السودان، ورحلتهم إلى معبر جودة، وجاء الإجراء في أعقاب إجلاء الحكومة مئات الرعايا السودانيين من دولة جنوب السودان، عقب توترات وهجمات شهدتها مدن جنوبية عدة، أسفرت عن مقتل 16 شخصاً وإصابة عشرات آخرين، إلى جانب نهب ممتلكات عدد من التجار السودانيين. وتفجرت هذه التطورات على خلفية مزاعم بتعرض لاجئين من جنوب السودان للقتل في ولاية الجزيرة، عقب استعادة الجيش السوداني السيطرة عليها في الـ12 من يناير (كانون الثاني) العام الماضي، وهي مزاعم أفضت إلى أزمة دبلوماسية مكتومة بين الخرطوم وجوبا، سرعان ما انعكست على أوضاع الجالية الجنوبية داخل السودان، وفي هذا السياق أفاد وزير الرعاية والتنمية الاجتماعية المكلف حكومة ولاية الجزيرة، فتح الرحمن محمد أحمد، في تصريح صحافي، بـ”اكتمال تسيير ثلاث رحلات” جرى عبرها إبعاد قرابة 3 آلاف من مواطني جنوب السودان من الولاية.
وتتهم الحكومة السودانية بعض مواطني جنوب السودان بالقتال إلى جانب قوات “الدعم السريع” والمشاركة في أعمال نهب وانتهاكات ارتكبت في حق المواطنين خلال النزاع، وهو اتهام ألقى بظلال كثيفة على وضع الجنوبيين في السودان، ووفقاً لتحديث صادر عن مفوضية شؤون اللاجئين العام الماضي، يستضيف السودان نحو 613 ألف مواطن من جنوب السودان، يقيم 411 ألفاً منهم في ولاية النيل الأبيض، فيما يتوزع البقية على ولايات أخرى، من بينها ولاية الجزيرة التي يقيم فيها نحو 5500 شخص.
وتزامناً مع الحادثة، قال الصحافي جوزيف سايمون إن أكثر من 700 مواطن من جنوب السودان وصلوا إلى معبر جودة الحدودي قادمين من مناطق متفرقة في العاصمة الخرطوم، وسط أوضاع إنسانية وأمنية وصفت بالمتدهورة، وأورد أن عملية الترحيل جرت بمبادرة إنسانية من أبناء مجتمع أبيي في جنوب السودان ودول المهجر، الذين تولوا تنظيم الدعم اللوجيستي وتوفير وسائل النقل، بهدف إعادتهم الآمنة إلى وطنهم، وأفاد مرحلون بأن مواطني جنوب السودان في الخرطوم يعيشون تحت قيود مشددة على الحركة، مع مداهمات أمنية بحثاً عن غير الحائزين على وثائق رسمية، وأضافوا أن عدداً من أفراد أسرهم اعتقلوا وأحيلوا إلى المحاكم، التي أصدرت في حقهم أحكاماً بغرامات مالية أو السجن لمدة تصل إلى ستة أشهر.
نطاق هش:
ظل معبر جودة خلال الأشهر الماضية مصدر قلق متصاعد لحكومة ولاية النيل الأبيض، خصوصاً مع التطورات الأمنية الأخيرة في مدينة الناصر بولاية أعالي النيل بدولة جنوب السودان، فقد أعادت تلك الأحداث إحياء مخاوف من تدفق موجات نزوح ولجوء جديدة نحو ولاية النيل الأبيض، في وقت تعاني فيه الولاية أصلاً ضغوطاً إنسانية وأمنية متراكمة بفعل استضافتها أعداداً كبيرة من اللاجئين الجنوب سودانيين.
وتشير تقديرات صحافية سابقة إلى أن معسكرات ولاية النيل الأبيض تستضيف نحو 411 ألف لاجئ من جنوب السودان، مما يجعل أي متغير أمني عبر الحدود عاملاً ضاغطاً على قدرات الولاية الخدمية والأمنية. وعلى وقع تصاعد الأحداث في الجنوب، وجهت لجنة أمن ولاية النيل الأبيض بوضع خطة عاجلة للتحوط لاحتمالات نزوح جديدة، مع تركيز خاص على معبر جودة، بوصفه أحد أكبر وأهم المعابر بين ولايتي النيل الأبيض وأعالي النيل، ولا سيما أنه معبر للنقل النهري في ظل غياب الطرق البرية المعبدة بين البلدين.
تضاعف القلق الأمني عقب إعلان قوات “الدعم السريع” في ديسمبر الماضي سيطرتها على اللواء “70” والكتيبة “379” مشاة بمنطقة جودة، ونشرها مقاطع مصورة تؤكد إحكام قبضتها على المعبر، غير أن القوات المسلحة السودانية ردت بنشر مقطع فيديو في ديسمبر أكدت فيه استعادة السيطرة الكاملة على المعبر، هذا التنازع الميداني كشف هشاشة السيطرة على المعبر، وأعاد طرحه كورقة صراع عسكري تتجاوز وظيفته الحدودية التقليدية.
يقع المعبر في نطاق هش تاريخياً، إذ لم تحسم معادلة الدولة المركزية مقابل المجتمعات العابرة للحدود، مما يجعله عرضة لإعادة التسييس مع كل أزمة، ويمثل جودة أحد المفاتيح البرية القليلة التي تربط جنوب السودان بعمقه الشمالي خارج مسارات النفط، مما يمنحه وزناً مضاعفاً في حسابات جوبا، مقابل نظر الخرطوم إليه كخط تماس أمني قابل للاختراق.
ومع اندلاع الحرب في السودان، تحول المعبر من هامش حدودي إلى ورقة نفوذ ميدانية، إذ باتت السيطرة عليه تعني التحكم في تدفقات السلع والنازحين ومسارات التهريب، بما في ذلك الوقود والسلاح، هذا التحول أدخله ضمن منطق اقتصاد الحرب، ووسع هامش الفاعلين غير النظاميين على حساب الدولة، وتكشف عسكرة معبر جودة مفارقة حادة، فالمجتمعات المحلية التي تعتمد عليه للبقاء هي الأكثر تضرراً من إغلاقه أو تحويله إلى ساحة صراع.
تزايد التحديات:
في ظل الحرب المستمرة في السودان وما أفرزته من سيولة أمنية وتآكل لقدرات الدولة على الضبط الحدودي، تبرز توقعات بأن تشهد المعابر الحدودية مع دول الجوار انفجارات وظيفية وأمنية متزامنة، بوصفها نقاط عبور إنسانية، وكساحات ضغط مركب تتقاطع فيها الهجرة القسرية، واقتصاد الحرب، وتوازنات الإقليم الهشة، فالحرب، بطبيعتها الممتدة وغير المحسومة، لا تنتج موجات نزوح باتجاه واحد، بل تعيد تدوير البشر عبر الحدود، مما يجعل المعابر عرضة للتشبع، والانهيار، ثم إعادة التسييس مع كل تطور ميداني.
وفي هذا السياق، وعلى رغم أن حركة اللاجئين حالياً تسير عبر حدود مفتوحة نسبياً، فإن إعادة اللاجئين الأجانب من السودان إلى بلدانهم مرشحة لأن تكون أكثر تعقيداً من دخولهم إليه، فالدخول غالباً ما يتم في لحظة انهيار أمني تسمح بتدفقات بشرية واسعة، بينما العودة تتطلب ترتيبات سياسية وأمنية ولوجيستية، وتوافقات ثنائية أو ثلاثية، وهي شروط يصعب توفيرها في ظل دول تعاني بدورها هشاشة داخلية، كما هي حال جنوب السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا.
تظهر تجربة معبر جودة الحدودي نموذجاً مبكراً لهذه المفارقة، فعلى رغم الترتيبات التي جرت في يونيو (حزيران) 2025 لافتتاح المعبر واستئناف حركة التجارة بين السودان وجنوب السودان، عبر لجنة مشتركة، فإن المعاينات الميدانية كشفت عن أن الجاهزية التقنية لا تعني بالضرورة الجاهزية الأمنية أو الاجتماعية، فقد أشار مواطنون من الجانبين إلى معوقات إذا لم تعالج قد تعرقل عمل المعبر مستقبلاً، خصوصاً في ما يتعلق بالأمن المحلي، وتنظيم حركة الأفراد، ومنع استغلال المعبر في التهريب أو العبور القسري.
ومن المتوقع أن تتزايد هذه التحديات مع تزايد محاولات ترحيل اللاجئين الأجانب من السودان، إذ ستواجه هذه العمليات مقاومة صامتة أو علنية، سواء من المجتمعات الحدودية التي تعتمد اقتصادياً على حركة العبور، أو من شبكات غير نظامية استفادت من اقتصاد المعابر خلال الحرب، كذلك يرجح أن تتحول بعض المعابر إلى نقاط احتجاز غير رسمية، تتكدس فيها أفواج المرحلين، مما يخلق أزمات إنسانية جديدة عابرة للحدود.
تشير المعطيات إلى أن المعابر، ومنها “جودة”، ستظل خلال هذه الحرب نقاط توتر ديناميكية، مرشحة للانفجار مع أي تحول أمني أو سياسي، ما لم تدر ضمن مقاربة إقليمية شاملة تفصل بين الضرورات الإنسانية ومنطق الصراع.


