مقالات الرأي

جزارتنا

بعيدا عن السيادة||صبري محمد علي

 

بقلم/صبري محمد علي (العيكورة)

لربما كان التاريخ هو أواخر الستينات وحتى أواسط السبعينات قبيل أن أتغرب مقبولاً بمدرسة حنتوب الثانوية عام ١٩٧٨

كانت الجزارة هي الوِّرد اليومي الذي كان عليّ قراءة تعليماته و أداؤه قُبيل الذهاب الى المدرسة صباحاً الإبتدائية أو المتوسطة

والجزارة في عُرفنا القروي هي السُوّق الصباحي فحتى مايو أو يونيو لا أذكر تحديداً ١٩٧٨ ليلة زواج أبو السمح ود قسم الباري
يوم ذاك كانت عربات القُرى المجاورة تتقاطر صوب العيكورة لحضور حفل الفنان الشهير آنذاك النور الجيلاني

في تلك الليلة بقدر ما أسعدتنا (مدلينا) و (كدراوية)
والأُم سليلة أمهرا
والوالد من قلب أثينا
ترك الأهلين ذات مرّة
وترنّح براً و سفينا
في تلك الليلة المشحونة بكل ما هو جميل
كانت الكهرباء تستأذن في الدخول الى القرية علي يد محافظ الجزيرة آنذاك السيد عبد الرحيم محمود

فقبل ذلك التاريخ لم يعرف مجتمع القرية ثقافة التخزين الحديثة لعدم وجود الثلاجات بالمنازل أصلاً إلا عدد محدود من ثلاجات الجاز بدكان ود الطيب و ودالهادي وإبراهيم ود حاج البشير (إبراهيم جان)

فكان المُتاح هو (المُشلعيب) وهو عبارة عن جُراب شبكي مصنوع من حبال السعف يُعلّق داخل سقف (الراكوبة) فتتيح هذه الحيلة لتيار الهواء المرور من كل الإتجاهات فلا يفسد (المُلاح) أو اللبن حتى صباح اليوم التالي

وللبرفيسور عبد الله الطيب (رحمة الله) تعريف لطيف لكلمة (مُلاح) ففي كتابة حقيبة الذكريات قال إن
*المُلاح هو إدام يصنعُه أهل السودان أدناه الماء وأعلاه اللّحم و بينهما ضُرُوبٍ من الخُضر*

أعود لموضوعي …..
أذكر أن في ذلك السوق كانت (الطرابيز) للجزارين فقط أمام دكاكينهم الصغيرة

بينما الأرض يفترشها بجولات الخيش والمشمّعات الخضرجية وبائعي الكمونية والكواراع

وهُنا تتباد الى الذاكرة شخصيات صباح الخير و النقر وشمو و عبد الوهاب وغيرهم

ولهذا المجتمع الصغير طُرف صباحية تُصاحب عملية التسوّق إعتادها الناس

فذات مرة يُقال أن طفلاً أتى لعبد الوهاب وكان حينها (يُوضب) كوارع ليستخرجها من جلد الثور و ينظفه من بقايا اللحم فطلب منه هذا الطفل أن يبيعة (كمونية)
فقال له ببديهته الحاضرة المعروفة عنه ….
والله يا إبني …..
أنا أخصائي عظام
أمشي لعمك (شمو) داك و(أشار إليه) أخصائي الباطنية بتلقاها عندو !
وهكذا تنداح الضحكات الصباحية بالسوق

و لن أنسي عبد العزيز ود القِدّ كان رجلاً ممازحاً وطريفاً و محمد علي ود رحمة أو (أُمحد علي) و حصريته بصوته الرخيم
تعال ليّ يا عشاي
تعال ليّ أملِّح ليك

وأحمد ود العوض رجل خفيف الحركة المشغول بتعهد كيمان الطماطم و سيجارته ينفضها في كل حين
وخمسة قروش ينطقها في عُجالة خمشه قروش خمشة قروش

عبد السلام ود يوسف الرجل الفارع ذو الصوت الجهور
يهُزُ رُبط الملوخية
تغرق شاحنة
و الرخا عمار البلاد

السيّد ود القاش والجِقِّر كانا يأتيان السوق صباحاً من قرية دلّوت البحر عبر معدِّية أحمد ود علي من مُِشرع قرية ديم الإحيمرات أو قارب صيد صغير لود حِجير في حالزغياب علي ود احمد

لا أذكر أن كان الجزارين وقت المُزاح فكانت الصرامة تكسوهم جميعاً وحق لهم ذلك فقد كانت جُلّ القوة الشرائية من الأطفال وهذا يحتاج منهم لصبر كبير وتركيز
تفادياً لأيدي الصبية التي كانت تمتد لقطعة اللحم أثناء إعمال السكين .

أحمد الضو و إبراهيم و دحاج عمر (البية) كانا شريكين في جزارة

أولاد حمزة النمر و محمد كان يعملان سوياً

أبراهيم أبو روف أشتهر بجودة ذبيحة كان يعمل منفرداً أو لربما بشراكة شقيقة على ود أب روف وكلا الرجلين هُما أبناء عمومة للبروفيسور على شمو فكثيراً ما كان يزورهما فترة مايو وما بعدها على ما أذكُر

حاج ياسين و أولاده كذلك كانت لهم جزارة منفصلة

و لكل هؤلاء كان عمنا عبد الرضي إبراهيم ود الفكي عبد الله يُمثِّل (المايسترو) البارع الذي يُتقن عملية الذبح والعقر و تفصيل و تكسير البهيمة في هندسة يدوية لم تسمع بالمنشار الكهربائي

حتى تلك الأيام لم تتوسع المبيوعات كما هي اليوم بل كانت حكراً على اللحوم والخضروات
والرغيف من فرن حاج اللصم المجاور إلا إذا إستثنينا بعض السيدات الكبار اللآئي يبعن (اللقيمات والطعمية) في طرف قصي من مساحة الجزارة

لكن الشئ الذي لن أنساهُ هو تواضع الأسعار أيام الرخاء
أو كما نصفها دوماً تعبيراً عن الرخاء
*(لمّا كان جوز الحمام تلاته)*
ولك أن
تصوّر يا مؤمن ….
زمن قرش النحاس المشرّشر داك (الفيهو ساعي البريد راكب الجمل) كان ….
كيلو البقر بي ١٦ قرش
كيلو الضأن بي ٢٤ قرش
كوم الكمّومنية بي ٣ قروش

إنتا قادر تتخيل معاي!
تسفسف عادي
مرارة أم فتفت
تجيك …
قارديا
دسنتاريا
كل المطلوب منك هو أن
تذهب الشفخانة
لمحمد سعيد
شوية سلفة أو سفوفة
تبقى زي الحُصان

رحم الله من مضى ومتّع بالصحة والعافية من بقى من أهلنا.

…..

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى