تاريخ ومعالم سياحيةمقالات الرأي

لم يلاحظ الجميع طول صبري، لاحظوا فقط موقفي عندما نفذ مني

قهوتي || شذى عبدالله طه

لم يلاحظوا تلك السنوات التي كنتُ أُربّت فيها على قلبي كلما تعب،
ولا الليالي التي أقنعتُ فيها نفسي أن الصمت أرحم من الشرح،
ولا المرات التي اخترتُ فيها السلامة على حقي، والهدوء على كرامتي،
فالصبر كان دائمًا خياري الأول… وربما الأخير.
كنتُ أُجيد الانتظار،
أمنح الأعذار بسخاء،
وأُخفّف من ثقل الآخرين على حساب نفسي،
أُقنع قلبي أن النيات الطيبة لا بد أن تُفهم يومًا،
وأن الصبر، مهما طال، لا بد أن يُكافأ.
لكنهم لم يروا ذلك.
لم ينتبهوا لكم مرة قلتُ فيها “لا بأس” بينما كان كل شيء بداخلي ينهار،
ولا لكم مرة ابتسمتُ وأنا مثقلة بما يكفي لإسقاطي.
رأوا فقط اللحظة التي قررتُ فيها أن أتوقف،
أن أقول كفى،
أن أضع حدًا لما لا يُحتمل.
الغريب أن الناس لا يُحاسبون القسوة،
لكنهم يُحاسبون التعب حين يتكلم.
لا يُسائلون من أثقلوا الأرواح،
بل يستغربون من لحظة الانفجار،
كأن الصبر يجب أن يكون أبديًا،
وكأن للإنسان قلبًا لا يتعب، ولا ذاكرة لا تمتلئ.
نفاد الصبر ليس فجورًا في الغضب،
بل لحظة صدق مؤلمة.
هو إعلان داخلي بأن الروح لم تعد قادرة على المزيد،
وأن الاستمرار سيكون خيانة للنفس.
عندها، لا نثور لأننا نحب الفوضى،
بل لأننا تعبنا من ترتيبها وحدنا.
حين نفد صبري،
لم أكن أبحث عن ضجيج،
كنت أبحث عن نجاة.
عن مساحة أتنفس فيها دون تبرير،
عن حق بسيط في أن أُفهم دون أن أُتهم.
قد يراك البعض قاسيًا في تلك اللحظة،
وقد يختصرون قصتك كلها في موقف واحد،
لكن الحقيقة لا تُقاس بلقطة،
بل بمسار طويل من التحمل،
من الصمت، من الصبر، من المحاولة تلو الأخرى.
ليس كل من صمت ضعيفًا،
وليس كل من تكلم فجأة ظالمًا.
أحيانًا، يكون الكلام المتأخر هو آخر أشكال الرحمة التي نمنحها لأنفسنا.
ربما لم يلاحظ الجميع طول صبري،
لكنني أعرفه،
وأعرف كم كنتُ وفيّة لنفسي قبل أن أتعب،
وكم حاولتُ قبل أن أصل إلى هذه النقطة.
وهذا يكفيني.

قهوتي أحب شربها باردة.

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى