
بقلم / محجوب مدني محجوب
إن ثورة ١٩ ديسمبر لعام ٢٠١٨ التي أطاحت بنظام البشير فشلت في قضيتين كبيرتين:
القضية الأولى: هي أنها لم تتمكن سوى أنها أطاحت برأس النظام أما تمدد النظام في بقية الدولة، فلم تعمل سوى أنها أزالت أشخاصا.
بينما النظام بكل تحكمه في مفاصل الدولة، فقد ظل قائما وما زال.
بل إن أهم مؤسسة مرتبطة بالحكم، ولم تعمل الثورة على تنظيفها من النظام البائد هي مؤسسة الجيش.
الأمر الذي انعكس على كل التداعيات التي أعقبت سقوط النظام بما فيها الحرب.
القضية الثانية: هي أن الثورة لم تتمكن من وضع مشروع سياسي بديل للإنقاذ، وتركت الأمر هكذا لكل من هب ودب يفتي فيه.
وهاتان القضيتان كانتا الداعم القوي لعودة نظام الإنقاذ متدثرا بحماية البلد من حرب عمل هو نفسه على إشعالها واستمرارها.
ومن هنا فإن الناظر إلى نتائج ثورة ديسمبر يجد أن الخسائر التي مني بها المواطن أكثر من فوائدها، وذلك ليس بسبب أنه عمل على قيامها.
إذ أن قيامها كان حتميا تفترضه طبائع الأمور.
فما من نظام تجبر وطغى وظلم لم تكن نتيجته سوى السقوط طال زمنه أو قصر.
إن السبب لهذه الخسائر الفادحة التي واجهها المواطن بعد قيام ثورته هو بسبب أنه لم يستغل ثورته الاستغلال الصحيح.
لم يستغلها في كنس النظام الذي عمل على سقوطه، ولم يستغلها في بناء مشروع سياسي وطني واضح يسير عليه.
مشروع سياسي يستوعب حتى منتسبي الإنقاذ.
ولعل السبب في فشل الثورة في هاتين القضيتين يرجع لحجم النشوة والفرحة التي صاحبت إيداع رموز الإنقاذ السجن بعد التبجح والاستفزاز الذي عملوا على التصريح به لغاية آخر لحظة قبل سقوطهم.
كما يرجع الفشل أيضا لعدم وجود مرجعية سياسية سودانية تعتمد عليها الثورة، فمنذ الاستقلال، فالسودان لم يتعاف من الانقلابات العسكرية، وكل مجهوداته السياسية كانت محصورة في مواجهة هذه الانقلابات الأمر الذي عمل على غياب أي مشروع سياسي يدعم الثورة.
ورغم كل هذه الخسائر التي لحقت المواطن بعد قيامه بثورته إلا أن ثمة ميزة خرج بها هذا المواطن من هذه الثورة ما زال محتفظا بها، وهذه الميزة تتلخص في كسر هذا الزجاج الوهمي الذي كانت ترفعه الحكومات في وجه المواطن.
هذا الزجاج الذي توهم به المواطن بأن أي قرار تتخذه الحكومة هو القرار الصائب، والذي ينبغي بل يجب على المواطن الإذعان له.
إن هذا الزجاج الوهمي لله الحمد والمنة صار أثرا بعد عين بحيث زال عن المواطن هذا التغييب الذي كانت تمارسه تجاهه الحكومات السايقة.
فأصبح للمواطن بعد الثورة رأيه وتقييمه الخاص لكل خطوة تقوم بها الحكومة.
فهذا البرود الذي قابل به المواطن حكومة ما تسمى ب (الأمل)، والتي عملت قيادة الجيش على وضعها كمسوغ لشرعنة حكمها هذا البرود إزاء هذه الحكومة مرده نضج ووعي هذا المواطن الذي اكتسبه من الثورة التي قام بها في وجه النظام البائد.
فبعد الثورة لم يعد المواطن يعتد بأي قرار لا يخدم مصلحته.
وطبعا البعض سينكر هذا البرود الذي سيطر على المواطن إزاء حكومة كامل إدريس.
إلا أن دليل هذا البرود لا ينفيه هذا القبول والاستقبال المصطنع لهذه الحكومة.
إن ما يثبت برود المواطن إزاء حكومة كامل إدريس هو عدم تفاعل هذا المواطن مع تعيينات هذه الحكومة لوزرائها.
حيث لم يتفاعل سواء عينت جبريل وزيرا للمالية أو لم تعينه.
سواء عينت وزيرا للمعادن من حركة مناوي أو لم تعينه.
سواء أصبح رئيس الوزراء نفسه وزيرا للخارجية أو لم يصبح.
وقطعا حكومة غير آبه المواطن بمن يأتي عليها من وزير هي حكومة في نظره لا تمثله، ولا تعبر عن تطلعاته، ولا تزيل عنه كل الضنك والألم الذي لازمه طيلة الحكومات السابقة.
إن حالة المواطن إزاء حكومة كامل إدريس هي التي توضح بروده نحوها.
وبالتالي فإن موقف المواطن من تعيين وزراء هذه الحكومة هو المكسب الذي خرج به المواطن من ثورثه حيث صار يقوم وحده مدى فاعلية العمل السياسي.
وقطعا هذا المكسب سيعمل على تطهير العمل السياسي من الفيروسات التي لطالما عشعشت عليه طيلة فترات حكم السودان.
ومن هذا الإدراك، وهذا الوعي الذي اكتسبه المواطن عبر ثورته سيفوت أي مخطط وملعوب يراد به الصعود للسلطة.

