مقالات الرأي

فاقد الرغبة لا تُغريه الفرص

قهوتي|| شذى عبد الله طه

بقلم/ شذى الله طه زين الدين

ليست كل الأبواب المفتوحة دعوة للدخول، ولا كل الفرص الممدودة سببًا للحركة. أحيانًا لا تكون المشكلة في ضيق الطريق، بل في انطفاء الرغبة. فالإنسان حين يفقد شهيته للحياة، تصبح كل النجاة باهتة، وكل الإمكانيات بلا معنى، وكل الاحتمالات مجرد تفاصيل عابرة لا توقظ فيه شيئًا.

فاقد الرغبة لا تُغريه الفرص، لا لأنها قليلة، بل لأنه فارغ من الداخل. قد تأتيه الحياة بأفضل عروضها، في أنسب توقيت، وبأقل الخسائر الممكنة، لكنه ينظر إليها بعين متعبة، لا ترى فيها خلاصًا بل عبئًا جديدًا. لا يرفض لأنه لا يفهم قيمتها، ولا يتأخر لأنه يجهل أهميتها، بل لأنه فقد القدرة على الشعور أصلًا.

*الانطفاء لا يحدث فجأة.*

إنه تراكم طويل من الخيبات الصغيرة، من المحاولات التي لم تثمر، من الطرق التي خذلت، من الأحلام التي تآكلت بصمت. يحدث حين يعطي الإنسان أكثر مما يحتمل، وينتظر أكثر مما يجب، ويصبر أكثر مما يسمح له قلبه. ثم في لحظة ما، لا ينهار، بل يبرد. والبرود أخطر من الانكسار، لأنه صامت، وغير مرئي، ولا يُستدرَك بسهولة.

فاقد الرغبة لا يحتاج إلى نصائح تحفيزية، ولا إلى مقارنات مع الناجحين، ولا إلى خطابات عن الطموح. لأنه لا يعاني من نقص في المعرفة، بل من فراغ داخلي. لا يحتاج إلى مزيد من الدفع، بل إلى فهم. إلى سؤال صادق: متى انطفأت؟ وكيف؟ ولماذا؟

فالرغبة لا تُستعاد بالضغط، ولا بالإجبار، ولا بالشعارات، بل بالعودة إلى الذات، إلى المعنى، إلى السبب الأول الذي جعل الإنسان يحب الحياة يومًا.

نحن نعيش في عالم يقدّس الإنجاز، لكنه لا يفهم الإنهاك. نلوم من لم يلتقط الفرصة، ولا نسأل كم مرة سقط قبلها. نحاكم من توقف، ولا نرى كم استنزفته المحاولة. نطالب الناس بالاستمرار، دون أن نسأل إن كانوا ما زالوا قادرين على الرغبة أصلًا.

الحقيقة أن الفرص لا تنقذ من لا يريد النجاة، ولا تغيّر من لم يعد يؤمن بالتغيير. النجاح لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل. من رغبة صادقة، من دافع حيّ، من معنى يجعل التعب مقبولًا، والخسارة محتملة، والطريق مستحقًا.

وحين تعود الرغبة، ولو ببطء، يعود كل شيء معها.
تعود الدهشة.
يعود الشغف.
يعود الإحساس بالاحتمال.
تصبح الفرصة مغرية، لا لأنها عظيمة، بل لأن القلب صار حيًّا من جديد.
ويصبح الطريق ممكنًا، لا لأنه سهل، بل لأن الروح استعادت قدرتها على المحاولة.

فاقد الرغبة لا يحتاج إلى فرصة جديدة، بل إلى حياة داخله تُبعث من جديد.
وحين تُبعث، لن يحتاج أحد أن يقنعه بشيء،
لأن القلب حين يريد…
يمشي وحده.

قهوتي أحب شربها باردة

احمد يوسف التاي

منصة إخبارية سودانية تقدم الأخبار والتحليلات المتعمقة حول أبرز الأحداث المحلية والعالمية. تأسست بهدف توفير محتوى إخباري موثوق وموضوعي يلبي احتياجات القراء السودانيين في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى